سلفتي بتتجسس عليا من شباك المنور ج٣ منى السيد

## الفصل الخامس والأخير: نور بعد العتمة
تامر وقف مكانه مذهول، دمه هرب من عروقه وهو شايف مراته وحبيبته “إيلين” مرمية على الأرض، ملامح وشها مشدودة بطريقة مرعبة، والصوت اللي طالع من بوقها مش صوتها الرقيق الناعم.. ده كان صوت خشن، فيه نبرة غل وشماتة تشبه بالظبط نبرة شيماء وهي بتعترف بفعلتها الفجر.
* **تامر (وهو بيبكي ويسند راسها):** إيلين! فوقي عشان خاطري.. يا شيخ عبد الرحمن اعمل حاجة، مراتي بتموت مني!
* **الشيخ عبد الرحمن (بثبات وقوة):** اثبت يا تامر ومتهتزش.. الشياطين بتلوح بآخر كارت معاها لما تحس إن نهايتها قربت. اقرأ معايا آية الكرسي بنية اليقين، “إن الله سيبطله”.. ربنا فوق كل ساحر وكل مؤذي.
الشيخ عبد الرحمن جاب كباية ميه، وفضل يقرا عليها بآيات إبطال السحر والشفاء، وصوته بيعلى ويزلزل الأوضة. قرب من إيلين ورش على وشها الميه وهو بيقول بصوت جهوري: *”اخرج يا عدو الله.. اخرج من جسد هذه الأمة الطاهرة”*.
إيلين اتنفضت نفضة قوية، وجسمها كله تشنج لثوانٍ، وفجأة رجعت لورا وخدت نفس طويل قوي كأنها كانت غرقانة وطلعت لسطح المية. بدأت تكح جامد واستفرغت مية صفرا ومرة جداً، وبعدها اترميت في حضن تامر وهي بتنهج ودموعها نازلة، وعينيها رجعت لطبيعتها، نظرة إيلين الطيبة الغلبانة.
* **إيلين (بصوت ضعيف ومبحوح):** تامر.. أنا كنت فين؟ أنا كنت شايفة ضلمة وكوابيس وناس بتجري ورايا.. أنا خايفة قوي يا تامر.
* **تامر (وهو بيحضنها ويمسح على راسها):** متخافيش يا قلب تامر.. أنتي هنا معايا، والشيخ عبد الرحمن معانا.. أنتي بقيتي أحسن والله.
### السر الدفين.. فين باقي العمل؟
الشيخ عبد الرحمن قعد على ركبه قدامهم، وبص لإيلين بنظرة أبوية حنينة وقالها:
— حمد الله على سلامتك يا بنتي.. ربنا كتبلك عمر جديد. بس اللي نطق على لسانك قبل ما تفوقي قال إن في حتة تانية من العمل محدش هيوصلها.. افتكري يا بنتي، شيماء دي دخلت شقتك وعملت إيه؟ في مكان في بيتك أنتي بتحسي فيه بقبضة قلب أو خنقة دايماً؟
إيلين حطت إيدها على راسها وحاولت تجمع أفكارها. شريط التلات سنين اللي فاتوا مر قدام عينيها زي الفيلم. افتكرت كل دخلة لشيماء شقتها، وافتكرت أكتر مكان كانت دايماً بتكره تقف فيه أو تنظفه.
* **إيلين (وعينيها برقت):** غرفة الأطفال يا شيخ عبد الرحمن! الأوضة دي من يوم ما اتجوزت وفضلنا قافلينها عشان ربنا مرزقناش بـ “بيبي”.. الأوضة دي دايماً ساقعة ترعش، ومهما أنظفها ريحتها بتبقى تراب وكمكمة.. وفي مرة من سنتين، لقيت شيماء خارجة منها وبتقولي “كنت ببص على الستارة أشوف خامتها عشان أعمل زيها”.
* **تامر (وعروقه بارزة):** الأوضة دي أنا اللي دهنتها بنفسي وقبل ما نقفلها حطينا السرير والدولاب بتوع الأطفال.. تفتكر حطت فيها إيه يا شيخنا؟
* **الشيخ عبد الرحمن:** يلا بينا على بيتكم فوراً.. السحر ده لازم يتطهر من جشوره عشان حياتكم ترجع والرباط اللي بينكم وبين الخلفة يتفك بإذن الله.
### العودة لبيت العيلة.. وتطهير الأركان
رجعوا تامر وإيلين ومعاهم الشيخ عبد الرحمن لبيت العيلة. الشمس كانت في وسط السماء، والبيت كان هادي بطريقة تقبض القلب بعد خروج شيماء مطرودة ومفضحة. حماتها وحماها أول ما شافوا الشيخ داخل، عرفوا إن في حاجة كبيرة هتحصل. نزلت الحاجة وراهم وهي بتبكي وتدعي، ومراد كمان طلع من شقته، وشه كان شاحب وعينيه مكسورة، بس أصر يدخل معاهم ويشوف الأذى اللي مراته سابته في البيت.
دخلوا كلهم غرفة الأطفال المقفولة. أول ما باب الأوضة اتفتح، هبت ريحة غريبة ومقبضة، كأن الأوضة مهجورة بقالها مية سنة مش سنتين.
* **الشيخ عبد الرحمن (وهو ماسك سبحته وبيبدأ يقرا):** فتشوا في الأركان.. فتشوا ورا الدولاب، وتحت السرير، وفي المراتب.
مراد وتامر بدوا يقلبوا الأوضة زي الإعصار. شالوا المرتبة الصغيرة، وفتشوا في السوست.. مفيش حاجة. فتحوا الدولاب وفتشوا بين الهدوم الجديدة اللي إيلين كانت شرياها لـ “بيبي” المستقبل ونفسها مكسورة.. برضه مفيش حاجة.
إيلين وقفت في وسط الأوضة، وحست برجلها بتاخدها ناحية السرير الصغير.. بصت في الزاوية اللي بين السرير والحيطة، ولقيت إن خشب السرير من تحت فيه شق صغير معمول بفعل فاعل، كأن حد حفره بس*كينة أو آلة حادة.
* **إيلين:** تامر.. بص هنا.. الخشب ده ماله؟
تامر قرب، وبإيده القوية شد السرير لورا، وبص في الشق.. لقى لفة صغيرة جداً من البلاستيك الشفاف، ومحشورة جوه الخشب ومدقوق عليها مسمار صغير عشان متقعش!
* **مراد (بصدمة وعياط):** حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيماء.. في سرير الأطفال؟! السرير اللي لسه مفيش طفل نام عليه؟! أنتي إيه يا شيخة.. معندكيش قلب ولا دين؟!
تامر سحب المسمار بكماشة بسرعة، وطلع اللفة البلاستيك وقدمها للشيخ عبد الرحمن. الشيخ فتحها بالراحة وهو بيسمي الله.
> **الحقيقة المرة:** السحر المرادي كان أبشع.. كانت قطيفة من قماش كفن، وجواها تراب من المقابر، ومكتوب عليها بدم حيض: *”يظل هذا السرير خاوياً، وتظل هذه البطن عاقراً، ولا تسمع في هذا البيت ضحكة طفل حتى يوضع صاحب الأثر في التراب”*.
>
حماتها لما سمعت الكلام ده، قعدت على الأرض وتفث في صدرها وهي بتصرخ:
— دي مش بني آدمة.. دي غول! يا حبيبتي يا بنتي يا إيلين.. كل ده مستحملاه من ورا الست دي وإحنا مش داريين؟ دي كانت بتدعي معانا بالذرية الصالحة وهي دافنة الخراب في سرير العيل!
### نهاية الشيطان.. وإبطال السحر
الشيخ عبد الرحمن طلب جردل مية كبير، وحط فيه ملح خشن ومية ورد، وقرأ عليه الرقية الشرعية كاملة، وآيات السحر كلها. وأخد العمل الأولاني اللي لقوه في المنور، والعمل التاني اللي في السرير، وحطهم جوه المية.
أول ما السحر نزل في المية بالملح، المية بدأت تفور وتطلع فقاقيع سودا بريحة وحشة جداً، والورق المكتوب عليه الطلاسم بدأ يدوب والحبر يتلاشى كأنه مكنش موجود.
إيلين في اللحظة دي، حست فجأة بوزن تقيل قوي كان كاتم على صدرها وبيخنقها انزاح تماماً. حست بنسمة هواء باردة ونقية دخلت صدرها، وركبها اللي كانت بتوجعها فجأة لانت، ووشها رجع ينور وتدب فيه الحمرة من تاني. بصت لتامر ولقت تامر هو كمان وشه ارتاح، والكسرة اللي كانت في عينيه اختفت.
* **الشيخ عبد الرحمن (بإبتسامة بشوشة):** الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.. *”وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً”*. السحر اتمحى واتفك يا ولادي، وحياتكم هترجع أحسن من الأول، والرحم اللي اتقفل بالظلم، هيتفتح بكرم الله ورحمته، بس واظبوا على الأذكار وسورة البقرة في البيت دايماً.
حماها الحاج محمود وقف ودموعه على لحيته، وقرب من تامر وإيلين وحضنهم:
— سامحوني يا ولادي.. أنا اللي قولت بيت عيلة وعزوة، ومكنتش أعرف إني حاطط حية في وسطكم.. حقكم عليا.
* **إيلين (وهي بتبوس إيده):** متقولش كده يا حمايا، إنت مالكش ذنب، ده نصيبنا والحمد لله إن ربنا نصرنا وظهر الحق.
مراد قرب من تامر واحتضنه بقوة وهو بيبكي بكاء حار:
— أنا طلقتها رسمي النهارده الصبح يا تامر.. ووديتلها حاجتها لأهلها، وقولتلهم بنتكم ساحرة ومؤذية وميلزمنيش تقعد مع عيالي.. أنا أسف يا أخويا، أسف يا إيلين.
* **تامر:** إنت أخويا وشقيفي يا مراد، وإحنا ملناش ذنب في شرها.. ربنا يعوضك خير ويحفظلك عيالك.
### بداية جديدة.. وبشرة خير
عدى شهرين على الليلة دي. البيت رجع يهدى، وشيماء أخدت جزاها وأهلها قاطعوها بعد ما الفضيحة انتشرت في المنطقة كلها وبقى اسمها “الساحرة”، ومبقاش حد يطيق يبص في وشها. مراد بدأ يركز في تربية عياله بمساعدة حماته اللي كانت شايلالهم في عينيها.
أما تامر وإيلين، فقرروا يفضلوا في شقتهم وميمشوش. قالوا “البيت ده طهرناه بذكر الله، والشر خرج منه وميرجعش تاني”. قفلوا شباك المنور بالكامل بالطوب والأسمنت، ومبقاش في “منور” بين الشقتين، وبقى المطبخ مقفول وأمان.
وفي يوم جمعة، زي نفس اليوم اللي بدأت فيه الحكاية.. إيلين كانت واقفة في المطبخ بتعمل الغداء وتامر قاعد بره بيقرا قرآن. فجأة، إيلين حست بدوخة خفيفة، ونفس الريحة اللي كانت بتكرهها مكنتش موجودة، بس كان في إحساس تاني خالص.. إحساس بالدفا بيملى بطنها.
دخلت الحمام وهي بتترعش، وعملت التحليل اللي كانت بتعمله كل شهر ونفسها مكسورة. فضلت واقفة تلت الدقائق بتوع الانتظار وهي بتدعي بدموع ورجاء: “يارب.. أنت قولت إن الله سيبطله.. يارب اجعل بعد العسر يسراً”.
بصت على الشريط.. ولقيت خطين حمر وواضحين جداً!
إيلين صرخت صرخة فرحة هزت الشقة كلها، وخرجت تجري في الصالة ووقعت في حضن تامر وهي بتعيط وتضحك في نفس اللحظة:
— تامر!!! أنا حامل يا تامر! أنا حامل! ربنا نصرنا وعوضنا!
تامر شالها وفضل يلف بيها في الصالة وهو بيبكي من الفرحة، وصوت ضحكاتهم ملأ الشقة ودخل غرفة الأطفال اللي مابقتش خاوية بعد كده.. ونزلوا تحت وبشروا الحاج والحاجة ومراد، والبيت كله اتقلب زغاريط وفرحة كانت غايبة عنهم بقالها سنين.
وعرفت إيلين إن ليل الظلم والشر مهما طال، ونور الحق والقرآن دايماً بيمحي أي عتمة، وإن “الفضول” لما بيتحول لغل بيخرب بيوت أصحابه، أما الصبر والرضا فآخره دايماً جبر وفرحة من وسع.
تمت بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *