جوزي اتهمني حكايات ميرو

بصتلي وقالت
أخيرًا رجع الضحك للبيت.
ابتسمت.
وفجأة محمود قال
على فكرة… في شركة أجنبية بعتت عرض شراكة كبير.
كل الموجودين بصوا له.
قال
وعايزين داليا هي اللي تدير المشروع.
قلت وأنا بضحك
يعني مفيش راحة؟
رد محمود
الراحة للي يستسلم.
أما إنتِ… فربنا كتبلك بداية جديدة.
بصيت من الشباك.
السماء كانت صافية.
ومريم كانت بتجري في الجنينة وهي بتنادي
ماما… تعالي العبي معايا.
قفلت اللابتوب.
وسيبت كل الأوراق.
وجريت ناحيتها.
لأن كل النجاح في الدنيا…
ماكانش يساوي عندي لحظة واحدة أشوف فيها بنتي بتضحك من قلبها.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن أعظم انتصار في حياتي…
إني خرجت أنا وبنتي من الخوف…
ودخلنا حياة كلها أمان بعد سنة كاملة…
رجعت حياتنا تستقر.
مريم بقت في أولى ابتدائي، وكل يوم كانت ترجع تحكيلي عن أصحابها، ومدرستها، والرسومات اللي بتعملها.
وفي يوم، وهي بتذاكر، سألتني فجأة
ماما… هو ليه الناس الكبيرة بتزعل من بعض؟
ابتسمت.
وقفلت الكتاب.
وقلت
لأنهم أوقات بينسوا يسمعوا بعض.
هزت رأسها وقالت
وأنا لما أكبر هسمع قبل ما أحكم.
حضنتها.
وحسيت إن ربنا عوضني ببنت قلبها أنضف من الدنيا.
…
بعد كام يوم، كنت في الشركة، لما محمود دخل عليّ.
كان معاه ملف أزرق.
عندي خبر.
خير؟
فاكرة الأرض اللي كنا مختلفين عليها مع شركة المنشاوي؟
أيوه.
الشركة باعتها.
استغربت.
باعوها؟
أيوه.
وياسين بنفسه وقّع البيع.
فضلت ساكتة.
قال محمود
واضح إنه بيحاول يبدأ من جديد.
قلت بهدوء
ربنا يوفقه.
أنا مبقتش بشغل نفسي بحياته.
…
في نفس الأسبوع…
وصلتني دعوة لحضور احتفال خيري كبير.
ولما دخلت القاعة…
اتفاجئت إن ياسين موجود.
لكن أول ما شافني، اكتفى بهزة رأس محترمة.
لا قرب.
ولا حاول يفتح كلام.
وده خلاني أحترمه لأول مرة من سنين.
بعد انتهاء الحفل، وإحنا خارجين، سمعنا صوت طفل بيصرخ.
ولد صغير كان هيجري ناحية الشارع.
من غير تفكير، أنا وياسين جرينا في نفس اللحظة.
كل واحد فينا شد الطفل من ناحية.
العربية عدت بسرعة.
والولد نجا.
أمه فضلت تشكرنا وهي بتعيط.
بصيت لياسين.
هو كمان بصلي.
قال بهدوء
الحمد لله.
قلت
الحمد لله.
وكانت أول مرة نتكلم فيها من غير غضب… ومن غير ألم.
…
بعدها بأيام، كانت مريم عنده في الزيارة.
ولما رجعت، قالتلي
ماما… بابا علمني أزرع ورد.
ضحكت.
بجد؟
أيوه… وقال لي إن الورد لو اهتمينا بيه بيكبر.
وبعدين بصتلي وقالت
هو الناس كمان كده؟
سكت لحظة.
وقلت
أيوه يا حبيبتي.
الناس كمان.
بس لازم يكونوا عايزين يتغيروا.
…
مرت الشهور.
وكل واحد فينا كمل طريقه.
أنا كبرت شغلي.
وياسين بدأ يعيد ترتيب حياته.
ومريم بقت الرابط الوحيد بينا.
رابط كله احترام.
وفي يوم عيد ميلادها العاشر…
عملنا الاحتفال في جنينة كبيرة.
ولأول مرة من سنين…
وقفنا كلنا في صورة واحدة.
أنا…
ومريم…
وياسين.
مش كزوجين.
لكن كأبوين اتعلموا بعد تعب طويل إن سعادة بنتهم أهم من أي خلاف.
ومريم كانت واقفة في النص، ماسكة إيدينا وهي بتضحك.
المصور قال
ابتسموا.
بصيت لبنتي…
وابتسمت من قلبي.
لأن أجمل نهاية لأي قصة…
مش إن حد يخسر.
لكن إن طفل يقدر يعيش حياته في أمان… ويكبر وهو حاسس إن اللي حواليه، رغم اختلافهم، اختاروا يحطوه في المقام الأول بعد الصورة دي بشهرين…
كنت قاعدة في مكتبي، بمراجعة ملفات مشروع جديد، لما السكرتيرة دخلت بسرعة.
مدام داليا… في راجل كبير مستني حضرتك، وبيقول إنه كان يعرف والد حضرتك.
طلبت تدخلّه.
دخل رجل في أواخر الستينات، شيبته مغطية معظم شعره، وماسك صندوق خشب صغير.
وقف قدامي وقال
أنا اسمي عادل… كنت الصديق الأقرب لوالدك.
استقبلته باحترام.
حط الصندوق على المكتب وقال
أبوكي سلمني الأمانة دي قبل وفاته، وقالي متسلمهاش لداليا إلا لما أحس إنها بقت قوية بما يكفي.
بصيت للصندوق باستغراب.
فتحته بهدوء.
كان فيه ساعة يد قديمة، ومفتاح ذهبي، وظرف مكتوب عليه بخط إيد والدي.
إيديا ارتعشت وأنا بفتح الظرف.
بنتي داليا…
لو وصلتك الرسالة دي، فأنا متأكد إنك عديتي أصعب امتحان في حياتك.
يمكن خسرتي ناس، ويمكن اتكسرتي.
بس أنا كنت عارف إنك هتقفي تاني.
القوة مش إنك تنتقمي…
القوة إنك متخليش القسوة تغير قلبك.
في درج مكتبي القديم مفتاح خزنة.
الخزنة فيها مشروع كنت بحلم أعمله مع إخواتك.
ولو قررتي تكمليه…
اعرفي إن دي آخر وصية ليا.
قفلت الرسالة ودموعي نزلت.
أول مرة أحس إن أبويا لسه بيسندني، حتى بعد رحيله.
…
رجعنا بيت العيلة.
فتحنا الخزنة القديمة.
كانت مليانة خرائط، ودراسات، وأوراق لمشروع مدينة سكنية خيرية للأسر البسيطة.
محمود فضل يقلب الأوراق.
وقال
أبويا كان مخطط لكل حاجة.
أنا ابتسمت.
يبقى نحقق حلمه.
كل إخواتي وافقوا.
وبدأنا التنفيذ.
…
بعد سنة…
اتفتح أول حي سكني.
العشرات من الأسر استلموا بيوتهم.
واحدة من السيدات مسكت إيدي وهي بتبكي.
أول مرة أحس إن عندي بيت.
ابتسمت وأنا ببص حواليا.
افتكرت والدي.
وافتكرت كل خطوة وصلتني للمكان ده.
لو ما كنتش مريت بكل الوجع…
يمكن ما كنتش هعرف قيمة إني أكون سبب في فرحة حد.
…
في نهاية اليوم…
رجعت البيت.
لقيت مريم قاعدة مستنياني.
جريت حضنتني.
ماما… نجح المشروع؟
ضحكت.
الحمد لله.
قالت وهي بتحضني
كنت عارفة إنك هتنجحي.
حضنتها أكتر.
وقلت في سري
يمكن الحياة أخدت مني سنين من الراحة…
لكن في المقابل، ادتني بنت هي أجمل نعمة، وعيلة سند، وفرصة أبدأ من جديد.
ونظرت من الشباك إلى السماء، وابتسمت.
لأن بعض النهايات…
بتكون في الحقيقة بداية لحياة أجمل بعد افتتاح المشروع بست شهور…
كنت راجعة من اجتماع، ولقيت مريم قاعدة في الجنينة، ماسكة ألبوم صور قديم.
أول ما شافتني قالت
ماما… ممكن أسألك سؤال؟
قعدت جنبها.
اسألي يا حبيبتي.
فتحت الألبوم على صورة قديمة.
أنا وياسين يوم الفرح.
قالت وهي بتبص للصورة
كنتوا بتضحكوا أوي… إيه اللي خلاكم تتغيروا؟
سكت شوية.
وبعدين قلت
لأن الإنسان ساعات بيغلط… ولو الغلط اتكرر، الحب لوحده مبقاش كفاية.
هزت رأسها كأنها فهمت.
وقفلت الألبوم بنفسها.
وقالت
أنا لما أكبر هختار حد يحترمني.
ابتسمت وأنا ببوس رأسها.
وده أهم اختيار.
…
بعد أيام قليلة…
كان عندنا اجتماع مجلس الإدارة.
وفجأة السكرتيرة دخلت.
مدام داليا… الأستاذ ياسين بره.
استغرب محمود.
هو جاي ليه؟
قلت
خليه يدخل.
دخل ياسين ومعاه ملف.
وشه كان هادي.
مد الملف لمحمود.
الشركة عندي داخلة في تصفية بعض الفروع.
وفي خمسميت عامل هيقعدوا في بيوتهم.
أنا عرفت إن عندكم مصنع جديد.
لو ينفع تشغلوهم…
هكون شاكر.
محمود بصله باستغراب.
إنت جاي تطلب مننا؟
قال بهدوء
بطلب عشان العمال.
مش عشاني.
أنا خسارتي أهون من إن مئات الأسر يتقطع رزقها.
بصيت لمحمود.
وقلت
اعملوا مقابلات لكل العمال.
اللي تنطبق عليه الشروط، يتعين.
من غير ما نبص هو كان شغال عند مين.
ياسين ابتسم لأول مرة.
شكرًا.
قلت
متشكرنيش.
إحنا بنساعد ناس ملهاش ذنب.
…
بعد شهر…
أكتر من ثلاثمائة عامل بدأوا شغلهم الجديد.
واحدة من العاملات وقفت قدامي وهي بتعيط.
ربنا يباركلك يا بنتي… كنت فاكرة عيالي هيباتوا من غير أكل.
حضنتها.
وقتها حسيت إن القرار كان صح.
…
وفي مساء هادئ…
كنت قاعدة في البلكونة، بشرب شاي.
لقيت رسالة وصلت على الموبايل.
من رقم ياسين.
شكرًا لأنك لسه إنسانة… رغم كل اللي حصل.
بصيت للرسالة.
وفكرت أرد.
لكن مسحتها من غير رد.
مش كرهًا…
لكن لأن كل كلمة كان لازم تتقال، اتقالت من زمان.
قفلت الموبايل.
ولقيت مريم بتناديني من جوه.
ماما… يلا نتفرج على الفيلم.
قمت وأنا بضحك.
وسبت كل حاجة ورايا.
لأن اللي كنت بدور عليه طول السنين دي…
ماكانش الانتصار.
كان السلام.
وأخيرًا…
لقيته بعد سنة كاملة…
بقى اسم الشركة معروف.
مش لأنها أكبر شركة في السوق…
لكن لأنها كانت من الشركات القليلة اللي بتحافظ على الناس قبل الأرباح.
كل شهر كنا بنعمل اجتماع مع العمال.
أي حد عنده مشكلة يدخل يتكلم من غير خوف.
وأول مرة شفت الابتسامة الحقيقية على وشوش ناس كانوا فاقدين الأمل.
…
وفي يوم…
دخل عليا محمود وهو بيضحك.
عندنا خبر حلو.
رفعت عيني من الورق.
خير؟
قال
إحنا كسبنا أكبر مناقصة في تاريخ الشركة.
سكت لحظة.
واللي رشحنا ليها… واحد من العملاء القدام.
سألته
مين؟
ابتسم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *