جوزي اتهمني حكايات ميرو
هنحتفل كل سنة… وأحسن احتفال كمان.
…
بعد أسبوع…
العيلة كلها كانت مجتمعة.
محمود فتح شاشة كبيرة.
وقال
عندنا مشكلة.
إحدى شركات ياسين داخلة مناقصة حكومية.
ولو كسبها…
هيكبر نفوذه جدًا.
واحد من إخواتي قال
نمنعه؟
محمود بصلي.
القرار قرار داليا.
كلهم بصوا ناحيتي.
قلت بعد تفكير
لأ.
كل واحد ياخد حقه بالقانون.
لو شركتنا أفضل…
هي اللي تكسب.
ولو هو أفضل…
يبقى يستحقها.
إحنا مش هنظلم حد.
الفرق بينا وبينه…
إننا مش بنستخدم القوة عشان نكسب.
محمود ابتسم بفخر.
كنت عارف إنك هتقولي كده.
…
بعد شهر…
اتفتحت المظاريف.
والنتيجة كانت مفاجأة.
شركة الكيلاني هي اللي فازت بالمناقصة.
بفارق كبير.
كل الشروط كانت في صالحها.
أما شركة ياسين…
فاترفض ملفها بسبب مخالفات إدارية قديمة ظهرت أثناء المراجعة.
أول مرة…
ياسين يحس إن الدنيا بتتقفل في وشه.
…
في نفس اليوم…
وصلني منه جواب صغير.
كان مكتوب فيه
أنا خسرت كل حاجة يوم خسرت ثقتك.
مش بطلب ترجعي.
بس بطلب تسامحيني.
قفلت الجواب.
وحطيته في الدرج.
لأن بعض الكلمات…
بتيجي بعد فوات الأوان.
خرجت للبلكونة.
لقيت مريم بتجري في الجنينة مع أولاد إخواتي.
ضحكتها كانت مالية المكان.
الشمس كانت بتغيب.
والهوا كان هادي.
وقتها بس…
حسيت إن النهاية الحقيقية لأي وجع…
مش الانتقام.
النهاية الحقيقية…
إنك ترجع تعيش من غير خوف.
وإن بنتك تنام كل ليلة وهي عارفة…
إن حضن أمها هو المكان اللي محدش هيقدر ياخده منها أبدًا مرّت تلات شهور.
الحياة بدأت ترجع هادية.
مريم بقت تروح الحضانة وهي مبتسمة، والجرح اللي في جبينها بقى مجرد أثر صغير، لكن اللي حصل فضل محفور في قلبي.
في صباح يوم هادئ، كنت قاعدة في مكتبي الجديد داخل شركة العيلة، بمضي على بعض الأوراق، لما السكرتيرة خبطت على الباب.
مدام داليا… في راجل مصرّ يقابلك.
رفعت عيني.
مين؟
الأستاذ ياسين.
سكت ثواني.
وبعدين قلت
خليه يدخل.
دخل بهدوء.
كان شكله مختلف.
وشه مرهق، ودقنه طويلة شوية، ونظرة الثقة اللي كانت دايمًا في عينيه اختفت.
وقف قدامي وقال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
ولا جاي أتكلم في اللي فات.
أنا جاي أقول كلمة واحدة…
آسف.
فضلت ساكتة.
كمل وهو منزل رأسه
كل يوم بصحى وأفتكر منظر مريم وهي بتنزف… ومش قادر أسامح نفسي.
قلت بهدوء
الاعتذار كويس…
بس مش بيمحي اللي حصل.
هز رأسه.
عارف.
طلع ظرف من جيبه وحطه على المكتب.
ده تنازل مني عن الفيلا باسم مريم.
وتأمين تعليمي ليها.
وحساب باسمها.
دي أقل حاجة أقدر أعملها.
دفعت الظرف ناحيته.
حق بنتي مش هدية منك.
ده واجب.
ولو المحكمة حكمت بيه، هتاخده.
إنما أنا مش هقبل حاجة عشان أحس إنك اشتريت راحتي.
بصلي للحظة…
وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة.
لسه زي ما انتي…
كرامتك قبل أي حاجة.
قام ومشي.
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال
ممكن أشوف مريم يوم؟
قلت
لما هي تكون مستعدة.
مش لما إنت تحب.
هز رأسه وخرج من غير كلمة.
…
بعد أسبوعين…
رجعت مريم من الحضانة وهي ماسكة رسمة.
جريت عليا.
ماما… بصي.
كانت رسمة لبيت كبير.
وشمس.
وشجرة.
وأربع أشخاص.
أنا…
ومريم…
وخالاتها…
وأخويا محمود.
سألتها بابتسامة
فين بابا؟
بصت للورقة شوية.
وقالت ببراءة
لما يبقى طيب… هرسمه.
الكلمة دي هزتني.
عرفت إن الأطفال بيفهموا أكتر مما إحنا متخيلين.
…
بعد سنة كاملة…
وقفت على المسرح في افتتاح مستشفى خيري كانت العيلة بنتها.
المذيع قال
والآن… كلمة السيدة داليا الكيلاني.
طلعت وسط تصفيق الناس.
بصيت للحضور.
وقلت
الإنسان ممكن يخسر فلوس… ويعوضها.
ويخسر شغل… ويبني غيره.
لكن لما يخسر ثقة أقرب الناس ليه…
بيحتاج عمر كامل عشان يعرف قيمة اللي ضاع.
علشان كده، المستشفى دي معمولة لكل أم، ولكل طفل، علشان محدش يتأخر عليه العلاج، ومحدش يحس إنه لوحده وقت ضعفه.
التصفيق ملأ القاعة.
وفي أول صف…
كانت مريم بتسقف بكل قوتها وهي بتضحك.
ابتسمت لها.
وفي اللحظة دي…
افتكرت الليلة اللي خرجنا فيها من البدروم.
وفهمت إن ربنا أحيانًا بيقفل باب…
علشان يفتح لك عمرًا كاملًا من الطمأنينة.
تمت لكن القصة ما انتهتش…
بعد افتتاح المستشفى بأسبوع، كنت خارجة من اجتماع طويل، لما تليفوني رن.
الرقم كان غريب.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
مدام داليا؟
أيوه.
أنا عم فؤاد… كنت شغال عند والد الأستاذ ياسين من أكتر من تلاتين سنة.
استغربت.
خير؟
قال بصوت متردد
في حاجة لازم تعرفيها… ولو اتأخرت أكتر من كده هتبقى مصيبة.
سكت ثواني.
اتفضل.
في ناس بتحاول تستغل الخلاف اللي بينكم، وتزور أوراق باسم بنتك.
وقفت مكاني.
أوراق إيه؟
ميراث وأسهم قديمة… واللي بيعمل كده مش ياسين.
قلبي دق بسرعة.
مين؟
المدير المالي السابق للشركة… هشام.
قفل قبل ما أقدر أسأله أي حاجة.
…
في نفس الليلة…
كان ياسين قاعد في مكتبه، ولما وصله تقرير المراجعة، قام واقف بعصبية.
مستحيل!
المحاسب قال
للأسف يا فندم… هشام اختلس ملايين على مدار سنتين.
واستغل توقيعات قديمة.
ياسين ضرب المكتب بإيده.
يعني كان بيوقع بينا كلنا؟
أيوه.
وفي ملف خاص باسم الآنسة مريم.
أول ما سمع اسم بنته، خرج يجري.
…
تاني يوم الصبح…
كنت في الشركة، لما السكرتيرة قالت
الأستاذ ياسين برا.
تنهدت.
يدخّل.
دخل بسرعة، وحط ملف على المكتب.
اقري ده.
فتحت الملف.
كله مستندات تثبت إن هشام زور عقود، وحاول يحول جزء من الأسهم لحسابات وهمية.
بصيت له.
وإنت جايبلي ده ليه؟
قال
لأن الضرر هيصيب مريم قبل أي حد.
وأنا مهما حصل… مش هسمح بده.
لأول مرة من شهور…
حسيت إنه بيتكلم كأب، مش كرجل بيحاول يكسب أي معركة.
قلت بهدوء
هنبلغ الجهات المختصة.
قال
وأنا هشهد بكل اللي أعرفه.
…
بدأ التحقيق.
وبعد أيام، اتقبض على هشام قبل ما يسافر.
واعترف إنه كان مستني الخلاف بيني وبين ياسين يكبر، علشان محدش يراجع الحسابات.
لكن خطته وقعت.
…
بعد انتهاء القضية، وقف ياسين بعيد وهو بيبص لمريم بتلعب.
ما قربش.
ولا نادى عليها.
احترم المسافة اللي طلبناها.
مريم هي اللي شافته.
شدت إيدي وقالت
ماما… بابا واقف هناك.
ابتسمت.
شوفتيه؟
هزت رأسها.
أروح أسلم عليه؟
نزلت على ركبتي قدامها.
القرار قرارك يا حبيبتي.
لو حابة، روحي.
جريت ناحيته.
وياسين نزل لمستواها.
ابتسمت له ومدت إيدها الصغيرة.
السلام عليكم.
رد وهو بيحاول يمنع دموعه
وعليكم السلام يا أميرتي.
فضلت واقفة بعيد.
وعرفت إن بعض العلاقات ممكن تبدأ من جديد…
لكن المرة دي على أساس الاحترام، وتحمل المسؤولية، والثقة اللي لازم تتبني من أول وجديد… خطوة بخطوة مرت ستة أشهر.
وياسين التزم بكل قرار أصدرته المحكمة.
كان يشوف مريم يومين في الأسبوع، بحضور أخصائية اجتماعية في البداية، وبعدها بقى يشوفها في النادي أو في بيت والدته.
ما حاولش يكلمني.
ولا مرة.
كان كل كلامه مع المحامية أو مع محمود.
وده خلاني أحس إنه أخيرًا فهم إن الاحترام مش كلام… الاحترام أفعال.
…
في يوم جمعة، كانت مريم راجعة من يومها مع أبوها.
أول ما دخلت البيت، جريت عليا وهي شايلة كيس صغير.
ماما… دي ليكي.
فتحت الكيس.
لقيت سلسلة فضة قديمة.
عرفتها من أول لحظة.
دي كانت سلسلة حماتي الله يرحمها.
كانت دايمًا لابساها.
بصيت لمريم.
مين اداهالك؟
قالت ببراءة
تيتة قالت دي كانت بتاعتك، وإن حقك يرجعلك.
بعد ساعة، رن تليفوني.
كانت والدة ياسين.
يا بنتي… أنا عارفة إني اتأخرت أوي.
بس لازم أقولك الحقيقة.
سكت.
قالت وهي بتبكي
يوم المشكلة… أنا كنت عارفة إنك مظلومة.
لكن خوفت على ابني.
وسكوتي ضيعكم كلكم.
سامحيني.
قلت بهدوء
ربنا يسامحنا جميعًا يا طنط.
الماضي مش هيرجع.
لكن كل واحد فينا يتعلم منه.
…
بعد أيام، دعتني المحكمة لجلسة أخيرة.
القاضي أنهى إجراءات الطلاق بشكل نهائي، وحدد كل حقوق مريم ومسؤوليات كل طرف.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن حمل كبير اتشال من على كتفي.
في الخارج، كان ياسين واقف بعيد.
قرب بخطوات هادئة.
مبروك.
استغربت.
على إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
على بداية حياتك الجديدة.
رديت بهدوء
وربنا يصلح حالك.
هز رأسه.
بدعي بده كل يوم.
ومشي.
من غير ما يطلب حاجة.
…
في المساء، كنا قاعدين كلنا على سفرة العشاء في بيت محمود.
مريم كانت بتضحك مع أولاد خالها.
وأمي