كيس زباله ج٣ شروق خالد
حكايات شروق خالد
انتهت المكالمة، وقفلت فريدة التليفون وحطته على الترابيزة وهي حاسة بنشوة انتصار حقيقية. الشقة حواليها بقت هادية، مفيش فيها غير صوت تكتكة الساعة وصوت نفسها المنتظم. لأول مرة من شهور تنام وهي مش خايفة من بكرة، ولا شايلة هم الغدر اللي كان بيحاوطها من أقرب الناس ليها.
على الجانب الآخر،
وفي عنبر الحجز بالقسم..
لمحة نيوز
كان زين قاعد في الركن، ضامم ركبه لصدره، هدومه البيظة اتملت بنقع عرق وتراب الحجز. الأصوات حواليه كانت مرعبة، مساجين داخلين وخارجين، وهو اللي كان عايش دور “ابن الهواري” البيه، بقى مجرد رقم في دفتر المحاضر.
الباب الحديدي انفتح بصوت مزعج، ودخل العسكري وهو بينادي: “زين عزمي الهواري.. زيارة!”
زين قام بسرعة زي الغريق اللي بيتعلق بقشة، جرى على السلك وهو فاكر إن أمه لقت حل، أو إن فريدة حن قلبها. لكنه اتفاجأ بأبوه الحاج عزمي، واقف وساند على عكاز، ووشه خاسس النص، وعينيه دبلانة.
زين بلهفة ودموع: “يابويا! عملتوا إيه؟ المحامي قالكم إيه؟ فريدة وافقت على الشيكات؟ خرجني من هنا يا بويا أنا هموت!”
الحاج عزمي هز راسه بقلة حيلة ونزلت دموعه على لحميته: “مفيش فايدة يا ابني.. فوزي المحامي رفع إيده عن القضية وقالنا ‘الست فريدة مقفلاها بالضبة والمفتاح، وورقها مفهوش ثغرة واحدة’. وأمك.. أمك جاية لها جلطة خفيفة ومحجوزة في
المستشفى بسبب الصدمة وفضيحة الحجز على جهاز شيريهان في وسط المنطقة.”
زين ضرب راسه في السلك بانهيار: “يعني إيه؟ هتحبس؟ الـ ١٥٠ ألف دولار دول هجيبهم منين؟ أنا ضعت يا بويا.. ضعت!”
الحاج عزمي بص له بحسرة: “أنت اللي ضيعت نفسك وضيعتنا معاك يا زين.. طاوعت أمك وطمعت في شقا البنت اللي شالتك في أزمتك. فريدة بعتتلي رسالة مع المحضر.. بتقولك ‘المؤخر بتاعها والمؤخر الصداق اللي كنت بتعايرها بيهم، خصمتهم من تمن الوصلات، والباقي عليك تسدده كاش يا إما الحكم هياخد مجراه’.. البت مش هتحلك يا ابني.”
مر الأسبوع كأنه مية سنة على عيلة الهواري. وجاء يوم الجلسة المشهودة.
قاعة المحكمة كانت زحمة، لكن فريدة كانت قاعدة في أول صف، لـابسة طقم أسود شيك جداً، ونظارتها الشمسية في إيدها، وهدوءها كان بيرعب كل اللي يبص لها.
دخل زين القفص، متبهدل، دقنه نبتت، وعينيه زاغت في القاعة لحد ما جت على فريدة. فضل يبص لها بنظرات استعطاف، بيترجاها بعينيه إنها ترحمه. لكن فريدة مالت على محاميها وابتسمت، وكأن زين ده بقا مجرد سراب بالنسبة لها.
المستشار ضرب بالشاكوش: “محكمة!”
تناديت القضية، والمحامي بتاع فريدة وقف وبكل ثقة قدم مستندات التنازل والبيع الرسمية لوصلات الأمانة، وقدم تقرير خبير الخطوط اللي بيثبت إن توقيع زين سليم ١٠٠٪ وبدون أي إكراه.
محامي زين حاول يتكلم ويطلب التأجيل أو التصالح، لكن القاضي بص في الورق وجد إن الموقف القانوني لفريدة مخريروش المية.
بعد المداولة.. نطق القاضي بالحكم:
“حكمت المحكمة حضورياً على المتهم زين عزمي الهواري، بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، وإلزامه برَد المبلغ الدائن للجهة المدعية الست فريدة عبد الرحمن.”
صوت الزغروطة المكتومة مطلعش من فريدة، طلع من جوة قلبها. زين صرخ في القفص ومسك الحديد: “فريدة! حرام عليكي يا فريدة! ضيعت مستقبلي!”
فريدة وقفت بكل ثبات، لبست نظارتها الشمسية، وبصت للقفص لآخر مرة وقالت بصوت مسموع له هو بس: “أنت اللي ضيعت نفسك يوم ما افتكرت إن كرامة الست ممكن تتباع بقرشين.. أشوفك على خير بعد تلات سنين يا زيزو.. ده لو طلعت سليم أصلاً!”
خرجت فريدة من باب المحكمة، الشمس كانت طالعة وبتنور وشها. شيريهان كانت واقفة بعيد مع أهلها بيلموا بقايا جـهازهم اللي أفرجت عنه النيابة بعد ما ثبت ملوش علاقة بزين، وبصت لفريدة بخوف وجريت ركبت العربية.
تليفون فريدة رن، كان محامي الخلع: “مبروك يا مدام فريدة.. قضية الخلع اتقيدت، وبحكم سجن زين، القضية مش هتاخد شهرين وتكوني حرة قانونياً ورسمياً.”
فريدة خدت نفس طويل، وابتسمت وهي بتركب عربيتها: “الله يبارك فيك يا متر.. اقفل الصفحة دي تماماً.. وبدءاً من بكرة، ركزلي في صفقة الشغل الجديدة.. فريدة الهواري مبتقفش عند حد!”
دارت العربية وتحركت، وسابت وراها عيلة طمعت فخسرت كل حاجة.. الشرف، والفلوس، والحرية.. بينما فريدة خرجت من المعركة أقوى، وأغنى، وبدرس عمرها ما هتنساه.