حي الجزارين ج1 مريم غريب
وضعها بالمقعد الأمامي و أغلق حولها حزام الأمان، ثم إستقل إلى جوارها و شغل المحرك.. لكنه قبل أن ينطلق أدار وجهه لها و قال بابتسامته الجذابة :
-أنا اسمي رزق.. انتي اسمك إيه ؟
صوّبت عينيها تجاهه و قالت و أسنانها تصطك من البرد بينما نصف وجهها مخبأ بمعطفه :
-نسمة.. إسمي نسمة و بيقولولي نوسا !
أعطاها تحية مخصوصة مشيرًا بسبابته و إبهامه قائلًا بمرح :
-تشرفنا يا آنسة نسمة.. يا نوسا !
و ضحك بخفة مديرًا عجلة القيادة و منطلقًا رأسًا إلى حي “الجزارين” …
ذلك المكان الذي شهد قصة حبها أحادية المشاعر، فهي فقط التي تحبه.. أما هو… فلا تعلم !
بعد كل الذي فعله من أجلها ظنّت بأنه ربما يكن لها بعض المشاعر، لكنه قد يكون محرجًا من إظهارها أو خجلًا
و من جهتها أرادت بشدة أن ترد له جزء من إحسانه إليها و التصرفات التي قام بها و ترجمتها كرسائل الحب… لذا لم تتردد لحظة حين دعته في ليلة مميزة كان القمر مكتملًا و النجوم ساطعة متلألئة
أعدت له عشاءً على ضوء الشموع، و كانت تمنّي نفسها بليلة رومانسية لا تُنسى، كانت تعي جيدًا ما هي مقدمة عليه و لم تخاف… كانت ثقتها فيه بلا حدود و قد أعماها الحب، بعد قضاء ستة أشهر في كنفه و رعايته التامة
و كالولد المهذب الذي وضعوا أمامه حلوى شهية مسيلة للعاب، كانت أمامه بردائها المغري و طلتها الجريئة.. لكنه لم يبدي أيّ ردة فعل و جلس رصينًا عاقلًا
حتى قامت هي بالمبادرة و سقطت في حضنه مطوقة عنقه بذراعيه بقوة و كأنه طوق النجاة لها …
لم يفوّت الفرصة الذهبية التي واتته، رغم أنه أعترف لها بعلاقاته النسائية المتعددة من قبلها.. لكنه أيضًا أعترف بأنها غير سواها، و بأنه أبدًا لن يمس امرأة أخرى ما دامت هي بحياته
كان هذا عهد قد أخذته عليه، لكنها اكتشفت بأنه عهد غير مشروط.. يستطيع أن يخرجها من حياته أيّ وقت يريد، فيكون قادرًا على الارتباط بغيرها
و لكن.. هذا بشع.. هذا مميت بالنسبة لها، ليس بعد كل هذا، ليس بعد أن أحبته، و صار لها الدنيا و ما فيها !!!
Back …
إنقطع شريط الذكريات بعقل “نسمة” فجأة كما لو أنه خرب …
لتصحو على الواقع الأليم، واقع لم يكن “رزق” فيه إلى جوارها.. فقط الصمت وحده الذي تسمعه، و السكون الذي تراه
و صورته التي تحتضنها و تبكي.. تبكي جفاؤه و هجره و حبها معدوم الأمل له …