وعد على ارتفاع ٣٥ الف قدم ج٢ شروق خالد

حكايات شروق خالد

تاني يوم الصبح، الساعة دقت تسعة بالثانية.
صحيت على خبط واطي على الباب، الشغالة دخلت ومعاها فستان ستان أبيض رقيق جداً وشيك، مكنش فستان فرح منفوش، كان فستان يليق بهانم قصر الألفي. لبسته وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها هي خطوة نحو حياة جديدة معرفش عنها أي حاجة.
نزلت السلم الرخام الكبير، ولقيت الصالون الواسع قاعد فيه المأذون، وجنبه مراد الألفي ببدلته الكحلي الكاملة وهيبته اللي تخوف، ومعاه اتنين من رجال أعماله الكبار جايين يشهدوا على العقد.
مراد أول ما شافني نازلة، وقف. نظرة عينه اتغيرت تماماً، مكنتش نظرة التحكم بتاعة امبارح، كانت نظرة انبهار حقيقي. مشيت وقعدت، والمأذون بدأ يكتب. لما سألني: “موافقة يا بنتي؟”، بصيت لمراد، ولقيته بيومي بدماغه براحة كأنه بيطمني ويأكد لي على وعده بتاع بالليل.
“موافقة يا فضيلة الشيخ.”
الجملة طلعت مني، ومعاها المأذون قال كلمته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”. في ثانية، بقيت رسمياً مدام نور الألفي.
الشهود مشيوا، والمأذون مشي، والقصر فضي علينا. مراد قرب مني، مسك إيدي وباسها باحترام قدام الشغالين كلهم، وقال بصوت مسموع للكل: “مبروك يا نور.. من اللحظة دي، كلمتك في البيت ده وفي حياتي هي الماشية. وكل اللي هنا تحت أمرك.”
أنا سحبت إيدي براحة وقلت له: “الله يبارك فيك.. أنا هطلع أشوف فريدة.”
مرت الأيام والأسابيع، وبقى ده روتيني. حياتي بقت كلها لفريدة، برضعها، بنيمها، بهتم بأكلها ولبسها، وحسيت فعلاً إن الوجع اللي في قلبي على ولادي بدأ يتدواى بوجودها. فريدة بقت صحتها ترد، ووشها ينور، والضحكة بقت مابتفارقش وشها الصغير.
مراد كان ملتزم بكلمته بالملي. مكنش بيدخل جناحي من غير إذن، وكان بيعاملني قدام الناس والشغالين كأني ملكة متوجة. بس لاحظت إنه بدأ يتغير.. مبقاش الراجل الصارم البارد اللي بيقضي وقته كله في الشغل. بقى يرجع بدري من الشركة، ويقعد معانا في الجناح، يتفرج عليا وأنا بمشط شعر فريدة أو بغني لها. نظراته ليا بدأت تتبدل من نظرة شكر وامتنان، لنظرات تانية خالص.. نظرات راجل بدأ يقع في الحب بجد.
في ليلة، بعد حوالي شهرين من الجواز، الجو بره كان بيمطر جامد والرعد بيهز الشبابيك. فريدة كانت نايمة في سريرها، وأنا واقفة في البلكونة المقفولة بإزاز ببص على المطر وسرحانة في حياتي.
سمعت خبطة خفيفة، ومراد دخل. كان لابس قميص أسود مريح، وشكله هادي.
قرب ووقف جنبي يبص على المطر، وقال بصوت دافي: “سرحانة في إيه يا نور؟ لسة حاسة إنك في سجن؟”
لفيت وشي ليه وقلت بصوت هادي: “لأ يا مراد.. فريدة خلت المكان ده جنة بالنسبة لي، وأنت صنت وعدك معايا.. أنا مش سجينتك.”
مراد خطى خطوة ناحيتي، وعينيه كانت بتلمع بشغف حقيقي، مسك إيدي الاتنين وقال بنبرة مليانة مشاعر مكتومة بقالها شهور:
“بس أنا اللي بقيت سجينك يا نور.. أنا دخلتك بيتي عشان تنقذي بنتي، بس أنتِ أنقذتيني أنا كمان. أنا عمري ما فكرت إني ممكن أحب تاني بعد موت مراتي، بس أنتِ بأصلك، وحنيتك، وطيبتك، خطفتي قلبي. أنا مش عايز الجواز ده يفضل على الورق يا نور.. أنا عايزك تبقي مراتي بجد، وحبيبتي، وشريكة عمري.. لو قلبك بدأ يصفى ليا.”
قلبي دق بسرعة، وبصيت في عينيه وشفت الصدق والأمان اللي كنت دايماً بدور عليهم بعد الصدمة اللي عشتها. لسة هرد عليه وأقول له اللي في قلبي.. فجأة تليفونه اللي على التربيزة رن برقم غريب.
مراد اتنهد وضغط على زرار الرد وفتح السبيكر وهو باصص في عيني.. وجاله صوت راجل غريب، خشن، ونبرته مليانة تهديد وشر:
“مبروك الجواز الجديد يا مراد بيه.. الهانم الجديدة منورة القصر. بس متفرحش قوي كده.. زي ما أخدنا منك مراتك الأولى وهي بتولد، الهانم التانية دورها قرب.. والحساب اللي بينا وبينك لسة مقفلش!”
الخط قطع.. ومراد وشه اتحول لكتلة من الثلج والغضب المرعب، وعينيه اسودت تماماً. أنا رجعت لورا و ركبي سابت من الخوف.. وعرفت في اللحظة دي إن مراد الألفي مش مجرد رجل أعمال غني.. الراجل ده وراه ماضي أسود من الفحم، وأنا دلوقتي بقيت في وش المدفع معاه!
وعد على ارتفاع ٣٥ ألف قدم ج2
حكايات شروق خالد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *