يوم ما فتنت حماتي وسخنت ابنها عليا ج٢ منى السيد
الفصل الثالث والأخير
الكلمة نزلت عليهم في المندرة زي الصاعقة لما الشقة تجهز والورق يتكتب… ساعتها هفكر أرجع.
حماتي كانت قاعدة على الكنبة، وشها اتقلب ألوان من كتمة الغيظ، عروق رقبتها نافرة وبتفرك في صوابعها بحركة عصبية مش قادرة تداريها. الكبرياء اللي كانت عايشة بيه وسط حارتها وسيطرتها اللي كانت فرضاها على الكل، اتداسوا بالأقدام في قعدة رجالة في قلب الصعيد. الحاج عبد الرازق قام وقف، ضرب عكازه في الأرض برزانة وقال
على خيرة الله يا حاج كامل، كلام بتكم حكمة وأصول، واللي يشتري خاطر الناس يصون كرامتهم، أحمد راجل وهيوفي بوعده، والورق هيتكتب عند محامي العيلة بكرة الصبح، والبت تروح بيت راجلها وهي رافعة راسها زي الهوانم.
أحمد قام معاه، بصلي بنظرة كلها رجا واستعطاف، كأنه بيقولي خلاص بقى فكيها، لكن عيني كانت حجر صوان، ثابتة ومفيش فيها رنة عاطفة واحدة تديله الأمان المجاني. خرجوا ووراهم حماتي اللي قامت تجر رجليها بالعافية من غير ما تنطق ولا كلمة زيادة، كانت حاسة إن الأرض بتسحبها من الخزي.
أول ما قفلوا الباب وراهم، أبويا اتنهد تنهيدة طويلة من قاع صدره، وبصلي بابتسامة مليانة رضا وشموخ عفارم عليكي يا بت كامل، اللي يدوسلك على طرف، تدوسي على رقبته
بالقانون والأصول، مش بالردح وقلة القيمة. سيبتيهم في غيظهم، وخليتي الواد هو اللي يجري وراكي ويشيل الليلة كلها.
محمود أخويا ضحك بصوته كله وهو بيعدل شاله شوفتي أم أحمد وشها كان قالب إزاي؟ والله كان ناقصها شوية وتولع في المندرة! بس جدعة، متسلميش بسهولة يا خيتي، خليكي هنا معززة لحد ما المفتاح يبقى في إيدك والشيكات متوثقة، غير كده متخطيش خطوة برا دارنا.
أسبوعين كاملين قعدتهم في بيت أبويا، أسبوعين مروا عليا كأنهم نقاهة بعد سنين من الشقا والعبودية المقنعة. كنت بصحى على نسيم الفجر، أشرب شاي بحليب مع أمي، أساعدها في خبيز البيت بمزاجي وبحب، مش بغصب وقهر. التليفون مكنش بيبطل رن من أحمد، كان بيتصل في اليوم عشرين مرة، يبعت رسايل فيها صور شقق نزل عاينها في مناطق راقية وقريبة من شغله شوفي دي يا أميرة… دي فيها بلكونة كبيرة تطل على جنينة زي ما كنتي بتتمني. طب شوفي دي، المطبخ بتاعها واسع ومفتوح وأمريكاني مش هتحتاجي فيه حاجة.
كنت برد ببرود وهدوء لما تخلص ورقها وتفرشها، هبقى أشوفها على الطبيعة.
وفي الأسبوعين دول، الأخبار كانت بتوصلي من صاحبتي من قلب بيت العيلة، والحال عندهم كان يصعب على الكافر حماتي من يوم رجوعها من البلد دخلت في نوبة غضب مبتهداش، بناتها التلاتة بقوا في وش المدفع مباشرة. الشقة الكبيرة اللي كنت بمسحها ليل نهار وألمع عفشها، بقت ترابها يغمي العين. المطبخ اللي كنت بطلعه بيبرق بعد كل عزومة، اتملى دهون ومواعين مكدسة، وريحته بقت زفارة لا تطاق.
نهى، أخته اللي كانت بتقولي وشي يتحرق من صهد الفرن، دخلت المطبخ تعمل صينية بطاطس، حرقت الأكل وولعت في حلة ألومنيوم ورمتها في الحوض وقعدت تلطم وتقول أنا مش خدامة، جوزوني وخلصوني!، وأختها التانية اتخانقت مع أمها خناقة سمعت الشارع كله عشان حماتي طلبت منها تنزل السوق في عز الضهر تشتري خضار، قالتلها كنتي بتبعتي أميرة في الحر، اشمعنى أنا دلوقتي عايزاني أتبهدل وسط البياعين؟!
وحماتي المسكينة، اللي كانت فاكرة نفسها ملكة زمانها وبتتحكم في الكل، لقت نفسها فجأة ملزمة تقوم تطبخ وتغسل على كبر سنها، ورجلها اللي كانت بتشتكي منها زمان بقت توجعها بجد من الوقفة، وابنها الصغير ساب البيت وبقى يقضي يومه كله في القهوة وعند صحابه هربان من الجحيم والقلة اللي شافها في البيت.
أما أحمد… فأحمد كان عايش في برزخ. كان بين نارين، نار أمه اللي بتزن في ودنه ليل نهار دي لوت دراعك وكسرت هيبتي، دي مكنتش تسوى قرشين وخليتها هانم!، ونار الواقع اللي شافه بعينه، شاف إن البيت من غير أميرة كان عبارة عن خرابة عايشين فيها شوية كسالى، وإن مراته اللي كانت صابرة سنين هي اللي كانت ساندة البيت وحامياه من الانهيار، وإن خسارتها كانت هتبقى أكبر غلطة في حياته.
في نهاية الأسبوع التاني، جه أحمد الصعيد تاني، بس المرة دي مكنش معاه وسايط ولا كبارات، جه لوحده، شايل شنطة صغيرة في إيده ولابس بدلته ومستعد. قعد مع أبويا ومحمود، وطلع الورق عقد إيجار شقة خمس سنين مدفوع مقدمها سنة كاملة في حي هادي ونضيف، بعيد عن بيت أمه بتلات مواصلات. شيك بنكي بقيمة دهبي اللي اتباع، متوثق في البنك وله رصيد يغطيه. إيصال أمانة بمؤخر الصداق الجديد اللي اتفقوا عليه مع الحاج عبد الرازق.
محمود راجع الورق كلمة كلمة، وأبويا بص لأحمد وقال العفش اللي فوق في الشقة القديمة؟ أحمد رد بسرعة وعينه في الأرض العفش نصه نزلته النهاردة الصبح في عربية نقل ووديته الشقة الجديدة، والباقي كله جديد على زوق أميرة، هتنزل معايا ننقيه حتة حتة، وأمي وإخواتي ملمسوش حاجة من حاجتها.
أبويا بصلي وهز راسه قومي يا بتي، البسي عبايتك وسافري مع جوزك، وراسك تفضل مرفوعة للسما، لو اتلوت رقبته في يوم من الأيام، باب دار أبوكي مفتوح ليكي على مصراعيه.
قومت جهزت شنطتي، وودعت أمي اللي دعتلي بدموع الفرح
لمحة نيوز