وعد على ارتفاع ٣٥ الف قدم ج١ شروق خالد
صريخ البيبي كان مسمع في قاعة طيارة رجال الأعمال الخاصة على ارتفاع ٣٥ ألف قدم.
مكاانش صريخ عادي بتاع عيل مأريف.. الصوت كان طالع ضعيف، مخنوق، ومليان وجع. النوع ده من العياط اللي أول ما تسمعه كمربّي تفهم فوراً إن فيه مصيبة.
أنا كنت قاعدة ورا، متبتة في مسند الكرسي، وحاسة بوجع مألوف قوي بدأ يسمّع في صدري.
أنا اسمي نور الشافعي.
من تلات شهور بس، حياتي كلها اتهدت.. خسرت جوزي، وخسرت ولادي في حادثة. بس جسمي لسة فاكر يعني إيه أمومة، حتى وقلبي بيحاول ينسى ويقفل على وجعه.
غمضت عيني وعصرتها جامد.. “مش ابنك يا نور.. مش مسؤوليتك”.
بس الصريخ مكنش راضي يقف، بالعكس، بدأ يضعف أكتر.. الصوت بقى هش، زي الهوا.. الصوت اللي أي أم وأب بيترعبوا أول ما يسمعوه.
فتحت عيني بسرعة.. البنت دي مش مأريفة، البنت دي بتموت من الجوع.
قدام خالص في أول الطيارة، كان قاعد مراد الألفي.
راجل مجرد اسمو بيهز سوق البيزنس والمقاولات في مصر، وملياردير حواليه إشاعات وقصص مرعبة عن نفوذه وعلاقاته السرية. راجل متعود يحل أي مشكلة في الدنيا بشيك، ما عدا المشكلة اللي شايلها بين إيديه دلوقتي.
بنته الرضيعة.
البنت كانت رافضة تماماً أي ببرونة يدوها لها. المضيفة واقفة جنبه وشها جايب ميت لون وبترتعش، ووراهم تلات حراس عمالقة مراقبين الوضع من بعيد. محدش فيهم عارف يتصرف.
لأول مرة، مراد الألفي كان باين عليه العجز التام.
أنا لقطت التعبيرات دي على وشه في ثانية.. الخوف.. القهر.. الصدمة بتاعة إن فلوسك كلها مش عارفة تشتري لقمة تسكت عيل.
من غير ما أفكر، وقفت من مكاني.
كل العيون في الطيارة لفت وبصت لي. واحد من الحراس خطى خطوة سريعة ناحيتي وقالي بنبرة ناشفة: “ارجعي مكانك يا فندم لو سمحتِ”.
بلعت ريقي وبصيت له بثبات: “البنت بتموت.. ومحتاجة مساعدة”.
وشه خشب أكتر: “ده مش موضوعك”.
وفجأة، جاله صوت هادي ورزين من قدام: “سيبها تتكلم”.
الحارس اتنحى على جنب، وأنا مشيت براحة لحد ما وصلت لأول صف. مراد رفع عينه وبص لي، عيونه كانت حمرا وطفح فيها التعب: “عايزة تقولي إيه؟”
ترددت ثانية.. الكلام كان تقيل وصعب يطلع على لساني قدام الناس دي كلها، بس البنت كانت بتفرفر بين إيديه ومفيش وقت للكسوف.
“أعتقد بنتك محتاجة ترضع طبيعي.. ومحتاجة أم”.
الهدوء حل على الطيارة كلها، لدرجة لو إبرة وقعت كانت هتسمع. مراد فضل متنح لي، وبعدين ملامحه اتغيرت كأنه فهم أنا أقصد إيه.
“أنتِ تقدرِ تساعديها؟” سألني وصوته فيه رجاء غريب على راجل بقوته.
بصيت للبنت.. وشها الصغير كان قالب أحمر دم من كتر العياط. غريزة الأمومة اللي جوايا هي اللي ردت بدالي: “آه.. أقدر”.
اللي مكنتش عارفاة وقتها، إن خطوتي دي هتفتح عليا طاقة جهنم.. وقبل ما عجل الطيارة يلمس أرض مطار القاهرة، مراد الألفي هيوعدني بوعد، هيخلي حياتي وحياته مربوطين ببعض بطريقة مكنتش أتخيلها في أقصى كوابيسي…