شقى عمري حكايات زهره
مراتي كانت طافحه التراب وبتبيع لبن وجبنه وانا في الغربه علشان تساعد معايا ونكمل الشقه اللي هتلمنا احنا وعيالنا…. واول ما جهزناها ونزلت من السفر امي حلفت ان الشقه الجديده ياخدها اخويا الصغير والسبب صدمني وسابني في حيرة عمري !!!
أنا اسمي محمود، راجل على باب الله، عشت عمري كله بجري ورا لقمة العيش الحلال. لما جيت أتجوز، مكنش حيلتي من الدنيا غير هدمتي اللي عليا، وأوضة ضيقة كئيبة في بيت عيلتي.. حيطانها مقشرة وسقفها عالي بس مخنوق. مفيش بنت حلال رضيت بيا وبظروفي دي غير “ناهد”.
ناهد دي مش مجرد ست، دي كانت الوتد اللي ساندني. بنت أصول بجد، صبرت معايا على المر اللي ميرضيش حد. وافقت تتجوزني في الأوضة دي، وقالت لي:
”يا محمود، أنا شرياك أنت مش شريا الحيطان.. بكره ربك يفرجها ونبني سوا احسن بيت.”
ودارت الأيام، وخلفنا عيلين زي الورد، والأوضة مبقتش سايعانا، وبقينا كأننا عايشين في علبة كبريت. النفس ضاق، ومصاريف العيال كبرت، والحيطة بقت سد في وشي.
في وسط الضلمة دي، ظهرت طاقة قدر. واحد قريبنا جاب فيزا لأخويا الصغير “أحمد” فيزا سفر للسعودية.. عقد عمل محترم بمرتب يعيشه ملك. أحمد ده كان دلوع أمي، مبيحبش التعب ولا الحركة، واول ما السفرية جت قالك: “أنا أتغرب ليه وأتبهدل؟ أنا أقعد وسط أهلي وناسي آكل عيش ناشف ولا الغربة ومرارتها!”
أنا عيني لمعت، وحسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة. دخلت لأخويا وقولت له: “يا أحمد، سيبني أسافر أنا مكانك، الفيزا دي هتساعدني أنا وعيالي، وأنا هسدد لك تمنها قرش ينطح قرش من أول سنة.”
وافق أحمد فورا وفعلاً، استلفت تمن التذكرة وتوكلت على الله. أول سنة في الغربة دي مشوفتش فيها النوم، كنت بشتغل ليل مع نهار، باكل عيش وجبنة وأوفر كل مليم لحد ما سددت لأحمد تمن الفيزا كامل مكمل عشان مشيلش جميله.
من السنة التانية، بدأت أبعت الفلوس لناهد. مكنتش بتبسط ولا بتصرفهم على لبس ومنظرة، كانت بتشيل القرش فوق القرش. كنا واخدين عهد على نفسنا إننا نعمل شقة ملك لينا ولعيالنا، شقة في بيت منفصل بعيد عن زحمة بيت العيلة عشان العيال تكبر في وسع.
ناهد مكنتش بس بتحوش قرشي، دي كانت طافحة التراب حرفياً! إحنا محيلتناش غير جاموسة واحدة في الزريبة، وناهد كانت تصحى من النجمة، تحلبها، وتعمل الجبنة واللبن، وتنزل تبيعهم في السوق في البرد والمطر عشان تصرف على نفسها وعلى العيال من تعب إيديها، وماتلمسش مليم واحد من فلوس الغربة اللي ببعتها للشقة!
خمس سنين غربة.. خمس سنين وأنا بنحت في الصخر برة، وهي بتموت من التعب جوة، لحد ما ربنا كرمنا واشترينا الشقة الطوب الأحمر، وفضلنا نصلح فيها ونشطبها على الفرازة.. دهان، سيراميك، سباكة.. كل حيطة فيها واخدة من عرقنا ومن دموعنا.
واخيرا نزلت مصر.. ياااه على الفرحة! كنت حاسس إن الأرض مش سايعاني وأنا شايف عيالي كبروا، وشقتي الجديدة بتنور وبتنده علينا. اشترينا العفش ونقلناه، وكنت خلاص برتب مع ناهد عشان ننقل هدومنا وندخل شقتنا ونقفل علينا بابنا ونرتاح من شقا السنين.
يومها، لقيت أمي داخلة عليا الأوضة، وشها مقلوب وعينها فيها نظرة غريبة.. نظرة خوف على طمع. قعدت وقالت لي بلهجة حاسمة متقبلش النقاش:
“محمود.. الشقة الجديدة دي مش هتنقلوا فيها.. الشقة دي هياخدها أخوك الصغير أحمد يتجوز فيها!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. دماغي لفت، وحسيت إن السقف بيقع فوقيا. قولت لها والذهول واكلني: “أنتِ بتقولي إيه يا أمي؟! شقة إيه اللي ياخدها أحمد؟! دي شقتي.. شقى عمري وغربتي وتعب مراتي اللي كانت بتبيع لبن وجبنة عشان نوفر تمنها! أحمد ياخدها بمناسبة إيه؟!”
أمي اتنهدت، وقالت لي والغل باين في صوتها:
“اسمعني بس يا ابني وافهمني.. أنا روحت أخطب لأخوك أحمد بنت فلان اللي في أول الشارع، وكنت ناوية أكتب كتابهم وأجوزهم هنا في الأوضة بتاعتك دي بعد ما تفضوها وتروحوا شقتكم.. لكن أم العروسة لوت بوزها وقالت لي بلؤم: ‘بنتي متروحش في بيت عيلة وأوضة وحمام مشترك! بنتي لازم شقة لوحدها من بابها، وإنتو محيلتكمش حاجة أصلاً!'”
أمي كملت وهي بتخبط على صدرها بغيظ:
“أنا دمي فار واتغظت، ومقبلتش إن حد يقلل مننا ولا من ابني .. وحلفت لها في وشها وقولت لها: ‘ابني عنده شقته الجديدة، متشطبة ، وبنتك هتدخل في شقة ملك من بابها!’.. وأهو أنا حلفت يا محمود، وعيب في حقي وحق أخوك الصغير نرجع في كلامنا ونبقى صغار قدام الناس!”
وقفت مكاني مش مصدق، صرخت فيها: “وعشان منظرتك وحلفتك قدام ناس غريبة، تضيعي شقى عمري؟ تضيعي تعب ناهد اللي اتهد حيلها في السوق؟! ما يتجوز في أي داهية، ولا يشقى ويعمل لنفسه زي ما أنا عملت!”
أمي قالتلي بزعيق
ما انت اخدت الفيزا بتاعته وهو سبهالك بنفس راضيه …والشغل والفلوس دي كلها كان هو اللي هيجبها
انا اتجمدت مكاني قولتلها بذهول…يا امي انا سددتله تمنها …ده تعبي وشقايا وسهر مراتي
بدأت تعيط وتستعطفني، وتلعب على وتير الحنية:
“يا محمود يا ابني.. أنت خلاص اتجوزت وخلفت وعيالك كبروا ومستورين، لكن أخوك لسه بيبدأ حياته، والبت بتموت فيه وهو بيموت فيها، ولو الشقة دي راحت، الجوازة هتفشل وأخوك هيتكسر قلبه.. اعتبرها لِله يا ابني، سيب له الشقة يقف على رجله، وأنت خليك هنا في الأوضة لحد ما ربنا يفرجها عليك تاني.. ده أخوك الصغير، لحمك ودمك!”
خرجت من الأوضة وأنا مش شايف قدامي.. الدموع محبوسة في عيني، والكسرة هتحني ضهري. دخلت لقيت ناهد قاعدة مستنياني، في عينها فرحة الدنيا وهي بتجهز الشنط عشان ننقل الشقة الجديدة.. ناهد اللي ضحت بشبابها وصحتها عشان اليوم ده.
أبص لأمي اللي بتبكي وبتستحلفني بأخويا وبدموعها وبحلفانها اللي هيصغرها قدام الناس.. وأبص لمراتي الأصيلة اللي طفحت التراب ومستنية جني ثمار صبرها..واخيرا قدرت اخد القرار وبصيت لناهد وقولتلها ……..
……….
بصيت لناهد، ملامحها كانت زي الملايكة وهي بترتب هدوم الولاد، فرحانة وكأنها بتفرش الجنة اللي استنتها سنين، وناهد أول ما شافتني بصيت لها، ابتسامتها دبلت وسألتني بصوت واطي: “في إيه يا محمود؟ شكلك مخضوض.. العيال جرالهم حاجة؟”
بلعت ريقي بصعوبة، لساني كان تقيل وكأنه مربوط بسلاسل، قعدت قصادها ومسكت إيديها اللي كانت خشنة من شقا السنين، إيدين ناهد اللي شالتني وشالت همي، وقلت لها بصوت مخنوق ومتقطع: “ناهد.. إحنا مش هننقل الشقة دي.. الشقة دي هتبقى لأحمد.”
سكتت ناهد لحظة، عينها اتسعت بذهول، وكأنها مسمعتش كويس، وقالت لي بصوت مرعوش: “أحمد؟ أحمد مين؟ وأنت بتقول إيه يا محمود؟ إحنا بقالنا سنين بنحرم نفسنا من اللقمة عشان الحيطان دي.. أنت بتهزر صح؟”
نزلت راسي في الأرض، والدموع حرقت عيني، وحكيت لها كل كلمة قالتها أمي، والحلفان اللي حلفته، والكسرة اللي في قلب أمي، وناهد بتسمعني ووشها بيتحول من الذهول للصدمة، ومن الصدمة لزعل مكسور، سحبت إيديها من إيدي وقامت وقفت، كانت بتهز جسمها وبتقول بصوت مكتوم: “يعني أنا اللي طفحت التراب، وأنا اللي بعت اللبن والجبنة في التلج عشان أسندك، وفي الآخر عشان خاطر كلمتين في السوق، وعشان أمك تبيض وشها قدام الجيران، أعيش أنا وعيالي في الأوضة اللي بقيت بتخنقنا؟ يعني تعبي ده كله راح عشان أخوك مش عايز يشقى؟”
صرخت فيا بوجع: “أنا مش بسامح يا محمود.. مش بسامح في حقي وحق عيالي اللي اتحرموا من كل حاجة عشان نحلم بشقة، وتيجي في الآخر تديها على الجاهز للي ميتعبش!”
خرجت من الأوضة وهي بتعيط، وأنا بقيت واقف بين نارين، نار مراتي اللي اتظلمت، ونار أمي اللي بتستغل ضعفي ناحيتها، ولقيت أحمد داخل عليا، كان باصص لي بكسرة عين مصطنعة وهو بيقول: “سامحني يا أخويا.. أنا ماليش غيرك، وأمي قالت لي إنك موافق عشان خاطر العشم اللي بيننا..”
بصيت لأحمد، وشفت فيه صورة أخويا اللي بحبه، بس شفت فيه كمان “الراجل” اللي فضل قاعد وحاطط إيد على إيد، وفجأة، لقيت ناهد داخلة ومعاها العيال، والولاد كانوا شاريين “بالونات” عشان يزينوا الشقة الجديدة، منظرهم وهم فرحانين كسرني أكتر ما كنت مكسور، ناهد وقفت قصادنا وقالت بجمود وصوت تقيل: “يا محمود، أنا قررت.. لو الشقة دي بقت لأحمد، أنا هاخد عيالي وأروح بيت أبويا، وأنت حر في قراراتك.. يا تختار شقانا وتعبنا وتوقف قدام أمك، يا تختار ترضيها وتخسرني وتخسر عيالك، أنا مش هعيش في الأوضة دي يوم كمان بعد ما الحلم اتكسر!”
أحمد بدأ يمثل دور الضحية ويقول لأمي: “شوفتي يا أماه؟ مراته بتخيره فينا!”.. هنا، حسيت إن البركان اللي جوايا انفجر، وقفت وسطيهم، وبصيت لأمي ولأحمد، وخدت ناهد من إيديها وقولت لهم بصوت هز البيت كله: “أمي.. أنا بار بيكي وهفضل بار بيكي، بس اللي عملتيه ده ظلم، والظلم عمره ما بيبني بيت.. وأحمد.. لو عايز تتجوز، اتفضل أدي الفيزا بتاعتي، سافر واشقى واعمل لنفسك زي ما أنا عملت، الشقة دي لأولادي، ومش هخرج منها غير لجوزتي، ولو حد فكر يقرب منها، يبقى لا هو ابني ولا هو أخويا.”
ساد صمت رهيب، أمي بتبص لي بصدمة، وأحمد وشه اصفر، وناهد بصت لي بدموع الفرحة اللي ممزوجة بوجع، وأنا كنت عارف إن اللي جاي مش سهل، وإن العلاقة بينا اتشرخت للأبد، بس كان لازم أختار.. بين إن أعيش بقية عمري مكسور، وبين إني أسترد كرامتي وتعب مراتي.
……….
خيم الصمت على البيت لدرجة إني كنت سامع دقات قلبي بتخبط في ضلوعي، أمي سكتت تماماً، الوش اللي كان بيزعق ويستعطف اتحول لوش باهت ومصدوم، كأنها أول مرة تشوفني “محمود” اللي لسانها دايماً بيقول عليه “الغلبان اللي بيسمع الكلام”. أحمد بلع ريقه، وبصلي بنظرة مكسورة فيها حقد مدفون، قام وقف من غير ولا كلمة، وخرج من الأوضة، والباب وراه اترزع رزة خلت الحيطان المهتريّة دي تتهز.
أمي بصتلي بنظرة كرهت إني أشوفها في عينها، نظرة خيبة أمل، وقالت بصوت واطي ومكسور: “ماشِي يا محمود.. مَاشِي يا ابني. كُتر خيرك.. طلعت الشقة أهَم من أمك اللي شالتك في بطنها تسع شهور، وأهم من أخوك اللي لحمك.”
قالت كلمتها وخرجت، وسابتني واقف مكاني، حاسس إن الحيطة اللي ساندت عليها عمري كله بتنهد فوق راسي. ناهد قربت مني، كانت بتترعش، حطت إيدها على كتفي وقالتلي بصوت خايف: “محمود.. أنت عملت كده عشان ترضيني؟ أنا مش عايزة أكون سبب في قطيعة رحم.. بس أنا كمان مش قادرة أتحمل ظلم أكتر من كدة.”
بصيت لها، وشفت في عينيها ندم وخوف مش على الشقة، بس على البيت اللي اتهد بينا وبين أهلي في لحظة، مسحت دموعها وقلتلها بصوت ثابت: “يا ناهد، الظلم مش بس إنك تاخدي حق حد، الظلم كمان إنك تظلمي نفسك وتجي على حق ولادك عشان ‘المنظرة’. اللي حصل ده كان لازم يحصل، عشان لو كنت وافقت، مكنتش هعرف أبص في وشك ولا في وش عيالي تاني أبداً.”
الليل عدى تقيل زي الجبل، تاني يوم الصبح، نزلت أنا وناهد الشقة الجديدة، فتحت بابها لأول مرة، دخلنا وريحَة الدهان لسه فيها، ريحة شقايا وعرقها في كل ركن. فرشنا أول حتة عفش، والعيال كانوا بيجروا في الصالة من الفرحة، وفي اللحظة دي، حاسس بسلام داخلي غريب، سلام بوجع، بس كان لازم أدفع تمنه.
عدى أسبوع، وأمي وأخويا مقاطعين الكلام، البيت بقا جحيم من النظرات والصدود. وفجأة، جالنا خبط على الباب.. كانت أمي، ومعاها أحمد. وقفت في الصالة، بصت للشقة اللي كانت بتحلم تديها لأحمد، وبصتلي، وقالت بنبرة مختلفة تماماً، نبرة هزت كل حتة فيا: “أنا جيت يا محمود.. مش عشان أخد الشقة، بس عشان أقولك إن اللي عملته فيا ده، خلى الناس في الشارع يتكلموا عليا، والعروسة وأهلها فسخوا الخطوبة بعد ما عرفوا اللي حصل.. أنا مش جاي أطلب منك حاجة، أنا جاي بس أقولك إنك خسرت أخوك، وأنا خسرت ابني.. والبيت ده اللي ‘بنيته’ بعرقك، هيدخله الغريب قبل القريب، بس افتكر دايماً إن فيه أب وأم وراه، لو دعوا دعوة واحدة بقلب مقهور.. لا هينفعك سيراميك ولا دهان.”
مشيوا، وسابوني في نص شقتي الجديدة، واقف لوحدي، ومعايا ناهد والعيال.. نظرتها ليا كانت بتقولي: “إحنا عملنا الصح”، بس قلبي كان بيقولي: “يا ترى، كان فيه طريق تاني نرضي بيه الكل، ولا الغربة بتخلينا ننسى إن فيه حاجات أغلى بكتير من الحيطان؟”
أنا دلوقتي عايش في شقتي، بس كل ما أبص من البلكونة على بيت أهلي، بحس بغصة في قلبي.. تفتكر يا محمود، هل “الكرامة” تستاهل إنك تضحي برضا أمك؟ ولا كان ممكن تحلها بحكمة أكتر من كدة؟
…………
قعدت على كنبة الصالون الجديدة، اللي لسه بريحة الخشب ومكنتش لسه حتى لحقت أتهنى عليها، ناهد قعدت جنبي، ملمستنيش، بس كان في صمتها عتاب من نوع تاني. الصمت ده كان بيسألني: “دلوقتي وبعد ما وقفنا وخدنا حقنا، إيه اللي فاضل؟”.
قمت ببطء، مشيت في الشقة اللي كانت حلم عمري، كل زاوية فيها بتفكرني بيوم كنت باعت فيه قرشين زيادة، وناهد كانت بتبعت تقولي: “خبي القرش ده يا محمود، بكره نشتري بيه سيراميك المطبخ”. كانت أيام صعبة، بس كان فيها دفا العيلة اللي اتكسر دلوقتي.
فجأة، تليفوني رن.. كان رقم غريب. رديت بصوت مخنوق: “ألو؟”.
جالي صوت خشن وواثق من الناحية التانية: “معاك مكتب المحامي بتاع البنك يا أستاذ محمود. بخصوص القرض اللي كان بضمان البيت القديم بتاع العيلة.. الأقساط متأخرة بقالها تلات شهور، والبنك بيبعت إنذار أخير قبل الحجز على البيت”.
اتسمرت في مكاني. صوتي طلع بالعافية: “قرض إيه؟ البيت بتاع العيلة ده ملكنا من أيام جدي!”.
المحامي كمل ببرود: “أحمد أخوك رهن البيت وأخد قرض عشان يبدأ مشروع، والورق كله ممضي ببصمة الختم بتاع الوالدة.. لو المبلغ ده متسددش خلال أسبوع، البيت هيتخلى على اللي فيه، بما فيهم والدتك”.
وقعت السماعة من إيدي، ناهد قامت مفزوعة: “في إيه يا محمود؟ مالك وشك أصفر ليه؟”.
بصيت لها، والكلمات كانت بتطلع من حلقي زي السكاكين. عرفت في اللحظة دي إن “الحكمة” اللي كنت بدور عليها راحت خلاص، وإن الطمع اللي أمي وأخويا كانوا بيحاولوا يداروه بشعارات “العشم” و”الدم”، كان وراه كارثة أكبر بكتير. أحمد مكنش عايز الشقة عشان يتجوز فيها، أحمد كان مديون لرقبته، وكان بيحاول يهرب من دينه ببيت العيلة، وعايز شقتي عشان يرمي أمي فيها ويبيع هو بيت العيلة لسداد ديونه.
حسيت ببركان بيغلي جوايا، مش غضب على أحمد، لأ.. ده غضب على نفسي لأني كنت فاكر إن المشكلة كانت “شقة”، بينما كانت المشكلة “نفوس” اتغيرت.
بصيت لناهد، وقلت لها بصوت مليان حرقة: “البيت يا ناهد.. أحمد رهن بيت العيلة وأخد قرض، والبيت هيتصفى. أمي دلوقتي مهددة إنها تتطرد في الشارع في أي لحظة، وأنا كنت فاكر إني بخلص حقي، طلعت بخلص نفسي من بيت كان هيتنهب في كل الحالات”.
ناهد حطت إيدها على وشها وبكت، مش على الشقة ولا على تعبها، بس على الحال اللي وصلنا له. سألتني بدموع: “وهتعمل إيه يا محمود؟ لو سددت هيرجعوا يطمعوا في شقتنا، ولو مسددتش، أمك هتتبهدل!”.
وقفت قدام الشباك، ببص على بيت العيلة، وشفت “أحمد” خارج منه وهو بيلم هدومه في شنطة، وشفت أمي واقفة في البلكونة بتبكي، مش عشان الشقة، لكن عشان هي عارفة إنها اتخدعت من أقرب الناس ليها.
في اللحظة دي، عرفت إن الاختيار مش بين “الكرامة” و”الخضوع”، الاختيار كان بين “البيت اللي اتبنى بالحب” و”العيلة اللي اتكسرت بالأنانية”. لبست جاكيتتي، وبصيت لناهد نظرة أخيرة: “أنا نازل لأمي.. مش عشان الشقة، ولا عشان أحمد.. أنا نازل عشان ألم شتات اللي باقي من كرامة العيلة دي قبل ما يضيع خالص”.
خرجت وناهد ورايا، ومشيت ناحية بيت العيلة، وكل خطوة كانت بتفصلني عن “محمود الغلبان” اللي كان عايش في الأوضة، وبتقربني من “محمود الراجل” اللي لازم ياخد قرار، مش بس عشان يحمي شقاه، لكن عشان ينقذ أمه من “الابن” اللي باع أهله عشان شوية ورق.
………..
وصلت قدام باب بيت العيلة، لقيت أحمد واقف شايل شنطته، وشه أصفر وشايف الموت بعينه، وأمي واقفة ورا الباب بتعيط وبتمسح دموعها بطرف طرحتها، أول ما شافني أحمد، ساب الشنطة ووطى راسه للأرض، وكأنه كان مستني اللحظة دي.. لحظة الحساب.
دخلت من غير ما أبص له، قربت من أمي، مسكت إيديها وبوستها، لقيت جسمها بيترعش زي العصفور، قالت لي بصوت مكسور: “يا محمود.. أنا مكنتش أعرف، هو قالي ده مشروع صغير وهيكبرنا كلنا، مكنتش أعرف إنه رهن البيت.. سامحني يا ابني، أنا اللي دبست نفسي ودبستك.”
بصيت لأحمد اللي كان واقف بيترعش، زعقت فيه بصوت واطي بس حاد زي السكينة: “مشروع إيه يا أحمد؟ كنت بتسد ديون قمار؟ ولا بتلعب في فلوس الناس؟ أنت مش بس رهنت البيت، أنت بعت حِتة من عمرنا، وبعت الستر اللي كان بيميزنا.”
أحمد انفجر في البكاء، وقال بصوت متقطع: “أنا كنت غرقان يا محمود.. الديون كانت محاوطاني من كل حتة، والناس كانت هتدخلني السجن، قولت أخد الشقة وأبيعها وأسدد، ولما لقيتك وقفتلي، فكرت في رهن البيت كحل أخير.. أنا ضعت يا أخويا.”
في اللحظة دي، ناهد وقفت جنبي، مكنتش بتبص لأحمد نظرة تشفي، كانت بتبص له نظرة شفقة على حاله. مسكت إيدي وقالت لي بهدوء: “محمود.. الفلوس بتيجي وتروح، بس البيوت لما بتتهد مبترجعش. لو البيت ده ضاع، أمك هتروح فين؟”
بصيت لناهد، وشفت فيها الشهامة اللي اتجوزتها بسببها. أخدت نفس عميق، وطلعت تليفوني، واتصلت بالمحامي بتاع البنك، فتحت الاسبيكر قدامهم كلهم: “يا أستاذ، أنا محمود، ابن صاحبة البيت.. أنا جاي دلوقتي أسدد المبلغ، بس بشرط.. البيت يتفك رهنه ويتسجل باسم الوالدة رسمي، وبشرط تاني.. أحمد يكتب تنازل عن أي حق في البيت ده، ويسلمني كل أوراق مشاريعه دي فوراً.”
المحامي وافق، والاتفاق تم. دفعت كل اللي حيلتي، كل قرش شقيته في السنين اللي فاتت، كل اللي كنت بوشوش فيه ناهد عشان نأثث بيه بقية الشقة، راح في لحظة عشان نشتري “الستر”.
بعد ما خلصت، وقفت في وسط الصالة القديمة اللي اتربيت فيها، بصيت لأحمد اللي كان حاسس بذل لا يوصف، وقلت له: “الشقة اللي فوق دي بتاعتي وبتاعت مراتي وعيالي، والبيت ده بتاع أمي.. أنت النهاردة خرجت من حساباتنا مش عشان طمعانين، لكن عشان أنت خسرت الثقة اللي هي أغلى من أي حيطان.”
أحمد مشي من غير ولا كلمة، مكسور ومنكسر. قعدت جنب أمي، ناهد دخلت المطبخ اللي كانت بتطبخ فيه زمان، وبدأت تجهز لنا كوباية شاي، وكأن الأيام رجعت بينا لورا، بس بفرق كبير.. احنا دفعنا تمن الحقيقة غالي، غالي أوي.
أمي مسكت إيدي وقالت لي: “يا ابني، أنا عرفت الفرق بين اللي شاري واللي بايع.. أنا النهاردة مش بس بيت أهلي اللي استرديته، أنا استرديت ابني اللي كنت فاكرة إني خسرته.”
طلعت أنا وناهد شقتنا، قعدنا في الصالون، بصيت لها وقولت: “يا ناهد، احنا خسرنا كل فلوسنا، بس كسبنا بيت العيلة، وكسبنا قلوبنا.” ناهد ابتسمت، ابتسامة كانت بتمحي كل تعب السنين، وقالت لي: “الفلوس بتيجي وتتعوض، بس راحة البال اللي إحنا فيها دلوقتي، مفيش كنوز الدنيا تشتريها.”
ومن يومها، بقيت كل يوم وأنا طالع شقتي، بحس إن الحيطان دي مش بس طوب وسيراميك، دي حيطة صلبة اتبنت من “الأصل”، ومن صبر “ناهد”، ومن قلبي اللي اختار إنه يسامح ويفدي، بس بحدود.. لأن اللي يبيع الستر، ميستحقش غير إنه يشوف قيمته بعيد عننا.
……….
عدت الأيام، والهدوء رجع للبيت تاني، بس كان هدوء من نوع مختلف.. هدوء فيه نوع من الاحترام المتبادل اللي مكنش موجود قبل كدة. أحمد سافر، قالي إنه لقى فرصة تانية في مكان بعيد، وسافر وهو مطاطي راسه، مش زي ما كان بيحلم إنه يسافر بفلوسه ومرتاحيته، سافر وهو شايل هم ديونه اللي سددتها، وكان وعدني إنه يرجع لي كل مليم، بس أنا كنت عارف إنه مش هيرجع، مش عشان هو وحش، بس عشان إحنا الاتنين عارفين إن كسر الثقة ده ملوش علاج غير بالبعد.
ناهد كانت الوتد بجد.. يوم ما خلصت كل فلوسنا في سداد رهن البيت، شفت في عينها لمحة حزن خفيفة على تعبها اللي طار، بس تاني يوم لقيتها قايمة تضحك وبتقولي: “يا محمود، الشقة لسه محتاجة فرش وتكمله، إيه رأيك أرجع أعمل الجبنة واللبن تاني بس المره دي نكبر المشروع ونبيعه للمحلات الكبيرة مش بس في السوق؟”
كلمتها دي كانت زي البلسم على جرحي. حسيت إن ناهد مش بس مراتي، دي شريكة عمر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبدأنا فعلاً، هي بإيدها وتعبها، وأنا في شغلي التاني اللي زودته، وبدأنا نبني “رصيدنا” من جديد، بس المرة دي الرصيد مش بس فلوس، ده كان “استقرار” مفيش حد يقدر يهدّه.
أمي؟ أمي اتغيرت 180 درجة. بقت بتيجي تقعد معانا في شقتنا، وتساعد ناهد في تربية العيال، وبقت دايماً تقول لكل اللي يقابلها: “محمود ابني مش بس شالني، ده شال البيت كله على كتافه.” الكلمة دي كانت بتطبطب على قلبي وتخليني أنسى كل ليلة نمت فيها وأنا حاسس بالظلم.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد في بلكونة شقتي الجديدة، ببص على الشارع، شوفت طفل صغير بيجري وهو فرحان، افتكرت أول يوم نزلت فيه مصر، وافتكرت اللحظة اللي كنت هخسر فيها كل حاجة عشان “المنظرة”. ابتسمت لنفسي، وقمت دخلت جوه، لقيت ناهد محضرالي كوباية شاي، قعدت قصادها، بصيت في عيونها اللي لسه بتلمع بالصبر والأصالة، وقلت لها: “عارفة يا ناهد؟ طول عمري كنت بفتكر إن الشقة دي هي اللي هتلمنا، بس طلعتي إنتي اللي لميتينا.. وطلعت الكرامة مش إننا ناخد حقنا بالدراع، الكرامة إننا نحافظ على اللي بنحبه، حتى لو دفعنا تمنه غالي.”
ناهد حطت إيدها في إيدي وقالت: “المهم يا محمود إننا في الآخر، وبدل ما كنا بنحلم ببيت، بقينا أصحاب ‘بيت’ و’عيلة’ حقيقية.. وده مكسب ميتعوضش بكنوز الدنيا.”
قفلت البلكونة، ودخلت جوه في وسط دفء بيتي.. أخيراً، حسيت إن “الغربة” الحقيقية كانت جوه نفسي، ولما اتصالحنا مع بعض، انتهت الغربة.. وبدأنا نعيش حياتنا، حياة بسيطة، بس مليانة بركة، وراحة بال مفيش بعدها كلام.
تمت
حكايات انجى الخطيب