الغربه وقله الاصل منى السيد
لم أكن أعرف أن أقرب الناس قد يكونون أبعدهم.
يوم رجعت البلد لم أرجع كما يتخيلون.
لم أرجع في موكب.
لم أرجع بسيارة فارهة.
رجعت بحقيبة واحدة وقلب ممتلئ بالحساب.
مشيت في الشوارع القديمة نفس الرصيف نفس البقال نفس شجرة التوت التي كنا نلعب تحتها صغارا.
لكن العيون كانت مختلفة.
كانت تنظر لي نظرة شفقة.
نظرة امرأة رجعت مفلسة.
نظرة غريبة كأنهم يعرفون قصة لا أعرفها أنا.
وصلت بيت الست لبيبة.
طرقت الباب.
فتحت لي بوجهها الطيب الذي لم يتغير.
حضنتني قبل أن تسألني.
بكت.
وقالت وحشتيني يا أمل كنت عارفة إنك هترجعي.
لم تسأل معاكي كام
لم تقل عملتي إيه
وضعت أمامي خبزا ساخنا وجبنة بيضاء وقالت كلي الدنيا مش مستاهلة.
هناك فقط بدأت أفهم أني كنت أعيش وسط حسابات بلا قلوب.
ومن هناك بدأت خطتي.
سماح كانت تتحرك كملكة.
ترتب لفرح ابنتها نهى في أكبر قاعة في مصر.
دعوات مذهبة.
فستان مستورد.
ذهب يلمع كالشمس.
ناس كبار.
تصوير مباشر.
كل شيء أسطوري.
والناس تهمس ربنا فاتحها عليها.
ربنا
أم أنا
علمت أن الفرح مدفوع بالكامل من حسابات كنت أظنها مشتركة.
علمت أن الفلل مسجلة باسمها.
أن السيارات باسمها.
أن أمي تعيش في بيتي وكأنها صاحبة الفضل.
وفي إحدى الليالي جاءت سماح إلى بيت الست لبيبة.
دخلت بثقة.
نظرت لي من أعلى لأسفل.
وقالت بنبرة باردة
القاعة محتاجة عاملات زيادة يقدموا الأكل. لو حابة تيجي تكسبي لك قرشين بدل القعدة دي وأهو تشوفي بنتنا وهي بتتجوز.
بنتنا.
ابتسمت.
قلت موافقة.
لم تفهم ابتسامتي.
يوم الفرح ارتديت زي العاملات.
وقفت أحمل صينية العصير.
رأيت أحمد ابني ببدلة ثمنها شهور من تعبي.
رأيت سمير يضحك مع أصدقاء لا يعرفون أن أمه كانت تمسح أرضيات بيدها.
لم ينظر أحد في وجهي.
حتى أمي كانت تقول أمام الضيوف
لولا سماح وبسالتها كان زمان العيال دي ضاعت بعد ما أمهم سابتهم وسافرت تدور على نفسها.
تدور على نفسها.
كدت أضحك.
أنا التي ضيعت نفسي كي أجد لهم مستقبلا.
في لحظة الذروة انطفأت الأنوار.
صراخ خفيف.
همسات.
ثم اشتغلت الشاشة العملاقة.
بدأ عرض صور لكن ليست للعروس.
كانت صورا لامرأة تلبس زي التنظيف.
تمسح حماما عاما.
تنحني.
تبتسم رغم التعب.
أنا.
همسات تعلو.
ثم ظهرت كشوف حسابات بنكية.
تحويلات شهرية بالمئة ألف.
ثم إجمالي ثلاثين مليون جنيه.
ثم صور فيلل.
عقود سيارات.
أوراق تسجيل باسم سماح عبد الرحيم.
الصمت أصبح ثقيلا.
ثم أضاءت الأنوار.
ودخلت أنا بفستان