في عز العزا
في عزّ عزاء حمايا، حماتي قعدت جنبي وهي ماسكة آلة حاسبة وقالت بمنتهى البرود
إنتِ مش ليكي ولا جنيه يا سلمى إنتِ مش من العيلة.
ماعدّاش حتى كام ساعة على دفن حمايا، لقيت حماتي، نوال، قاعدة على ترابيزة السفرة، قدامها آلة حاسبة وورقة وقلم، وبتقسم ممتلكات جوزها كأنه لسه عايش وسلّمها مفاتيح كل حاجة.
كان لسه قدامنا فناجين القهوة، وأطباق الترحم، والمناديل اللي الناس كانت ماسكاها وهي بتعيط.
جوزي أحمد كان قاعد في البلكونة، منهار تمامًا من وفاة أبوه.
وأخته ريهام كانت عينيها وارمة من العياط، لكن أول ما سمعت أمها بتتكلم في الفلوس، بطلت عياط خالص وقربت من الترابيزة.
حماتي بصّت في الورقة وقالت
الشقة دي لوحدها تمنها دلوقتي حوالي خمسة مليون ونص ويمكن أكتر كمان. أنا سألت على أسعار المنطقة.
وبدأت تكتب أرقام على الورقة.
هنبيعها بسرعة، ولو جابت خمسة مليون وربعمية ولا حاجة نبقى كويسين.
ريهام سألتها على طول
وأنا هاخد كام؟
حماتي رفعت راسها وقالت
إنتِ وأحمد وأنا نقسم تمن الشقة بينا. وكل واحد ياخد نصيبه.
ريهام قربت أكتر.
يعني ممكن يطلعلي حوالي مليون ونص؟
آه، على حسب مصاريف البيع والمحامي والكلام ده.
ابتسمت ريهام لأول مرة من ساعة ما وصلنا.
كده أقدر أدفع مقدم شقة وأخلص من الإيجار أخيرًا.
كنت ساكتة.
ببص لهم وهما بيقسموا كل حاجة، كأن أبوهم ماكانش لسه متدفن.
ساعتها افتكرت كل المرات اللي شفت فيها عمي جلال، حمايا، بيتخانق معاهم بسبب نفس الشقة.
من حوالي تلات سنين، كنا قاعدين كلنا على الغدا، وريهام قالت له
يا بابا، أنا عندي تلاتين سنة ولسه بدفع إيجار. إنت هتفضل مخلي الشقة دي مقفولة على نفسك ليه؟ بيعها وساعدني أجيب شقة.
عمي جلال حط المعلقة من إيده وبصلها بهدوء.
وإنتِ مش عارفة تجيبي شقة من شغلك ليه؟
حماتي وقتها انفعلت
دي بنتك يا جلال! يعني هتسيب بنتك محتاجة وإنت عندك شقة بالملايين؟
رد عليها بهدوء
مساعدة ولادي حاجة، وإني أبيعلهم البيت اللي عايش فيه حاجة تانية.
وبعدها ابن أخت حماتي، سامح، دخل هو كمان على الخط.
مرة طلب منه تلتمية ألف جنيه عشان يغير عربيته.
ومرة ريهام قالت له إنهم ممكن يرهنوا الشقة ويشتروا لها شقة تانية.
وكل مرة كان الرد واحد
لأ.
كان عمي جلال دايمًا بيقول إن كل واحد لازم يشيل مسؤولية نفسه.
وأنا عمري ما طلبت منه جنيه واحد.
أنا وأحمد كنا عايشين في شقة إيجار صغيرة في شبرا.
أنا شغالة في مكتبة، وأحمد شغال في شركة كمبيوتر.
كنا بنحوش بالعافية، وكل شهر بنحط مبلغ صغير على جنب عشان نقدر يومًا ما نجيب شقة باسمنا.
ماكنّاش أغنيا، بس عمرنا ما مدينا إيدنا لحد.
وعشان كده، عمي جلال كان دايمًا بيقدرني.
كان ساعات يستناني بعد ما الناس تمشي، ويقول لي
إنتِ الوحيدة يا سلمى اللي بتيجي هنا من غير ما تطلبي حاجة.
وفي آخر سنة قبل وفاته، بقى يناديني
يا بنتي.
وفي مرة، وإحنا قاعدين لوحدنا، قال لي جملة وقتها ما فهمتهاش.
لما الوقت ييجي، لازم تبقي قوية يا سلمى أقوى مما تتخيلي.
ما سألتوش كان يقصد إيه.
لكن وأنا قاعدة دلوقتي قدام حماتي، وهي بتقسم ملايين جوزها، افتكرت كلامه حرفيًا.
حماتي رجعت تتكلم
وطبعًا أحمد ياخد نصيبه وساعتها تقدروا تشتروا لكم شقة بدل الإيجار.
وبعدين بصتلي مباشرة.
بس خليكي فاهمة حاجة يا سلمى الفلوس دي فلوس ابني. يعني مش فلوسك إنتِ.
ريهام ضحكت وقالت
ما هي في الآخر هتصرفها معاه برضه.
حماتي ردت بمنتهى الثقة
لأنها مراته. إنما قانونيًا وأصلًا، هي مالهاش دعوة بفلوس أبو أحمد.
فضلت ساكتة كام ثانية.
كنت حاسة إن كل كلمة بتقولها حماتي بتقربني أكتر من اللحظة اللي عمي جلال كان محذرني منها.
بصيت للورقة.
خمسة مليون ونص.
بيت.
عربية.
وممتلكات تانية.
وكل واحد فيهم بدأ يحسب نصيبه قبل حتى ما الحزن على الراجل يبرد.
رفعت عيني لحماتي وقلت بهدوء
إنتِ متأكدة؟
اتغيرت ملامحها.
متأكدة من إيه؟
بصيت لآلة الحاسبة اللي بينا.
وبعدين دخلت إيدي في شنطتي وطلعت موبايلي.
وقتها بس، حسيت إن الساعة اللي عمي جلال كان بيتكلم عنها من تلات سنين وصلت.
لأن اللي حماتي وريهام وأحمد ماكانوش يعرفوه، إن قبل وفاة عمي جلال بفترة، حصلت حاجة واحدة بس
حاجة اتوثقت رسمي.
وحاجة لو ظهرت قدامهم دلوقتي، كل الأرقام اللي كتبتها حماتي على الورقة هتتحول في لحظة لحبر مالوش لازمة.
أنا فتحت موبايلي.
واتصلت بالرقم اللي عمي جلال طلب مني أحتفظ بيه مهما حصل.
وكانت لسه حماتي بتقول
إنتِ بتتصلي بمين يا سلمى؟
وأنا بصيت لها وقلت
بالشخص اللي جوزك طلب مني أكلمه بعد وفاته.
ساعتها وش حماتي اتغير.
لأنها لأول مرة فهمت
إن جوزها كان سايب وراه حاجة محدش في البيت يعرف عنها حاجة.
وحاجة ممكن تغيّر مصير الشقة كلها.
ردّ الصوت من الناحية التانية
أيوه يا سلمى، أنا سامعك.
سلمى بلعت ريقها وقالت
أنا في بيت عمي جلال أقصد حمايا. هو توفّى النهارده، وحماتي بتقسم ممتلكاته، وبتقول إن الشقة بتاعته هتتباع وتتقسم بين التلاتة.
سكت الرجل ثواني، وبعدين قال
هو ماقالكيش إني هكون موجود بعد وفاته؟
بصيت لحماتي.
وشها كان لسه متجمد.
قلت
قال لي أحتفظ برقمك وقال لي أكلمك أول ما يموت.
رد
طيب اسمعيني كويس. ماحدش يبيع، ولا يمضي، ولا يسلّم أي مستند قبل ما آجي.
حماتي خبطت بإيدها على الترابيزة
وإنت مين أصلًا؟!
الرجل رد من السماعة
أنا المستشار القانوني للأستاذ جلال وكنت مسؤول عن آخر إجراء عمله قبل وفاته.
ساعتها أحمد