غزل ومعتصم ج١ ملك ابراهيم

في طريقهم للقصر، كانت غزل قاعدة في العربية زي التمثال. الدموع جفت على خدودها، وسابت مكانها أثر حرقة. عينها كانت على الطريق اللي ما بتعرفوش، طريق طويل ممتد من بيتهم المتواضع، اللي كان مليان ذكريات، لـ “القصر” اللي معتصم بيتكلم عنه.

 

بصت له من طرف عينها. كان سايق بهدوء، ملامحه هادية زي العادة، ولا كأن الدنيا لسه مقلوبة فوق راسها. كانت بتكره الهدوء ده، بتكره بروده اللي بيخليها تحس إنها بتهاتي، إن حزنها أو غضبها مش مأثرين فيه.

 

“أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده يا معتصم.” قالتها بصوتها المبحوح، حاسة إنها بتكلم حيطة. “يعني إيه هتيجي معايا على القصر؟ أنا ليا بيت وأم.”

 

لأول مرة من ساعة ما ركبوا العربية، بص لها معتصم. نظراته كانت باردة ومباشرة. “بيت إيه يا غزل؟ بيتكم ده إيجار، وأبوكي كان شايله بالديون. وأمك… أمك دي هتتولى رعايتها أكتر ما كنت بتعملي وأنتي معاها. هترجعي لها بس وقت ما تحبي تزوريها.”

 

كلامه كان زي السكاكين، بيقطع آخر خيط أمل كانت ماسكة فيه. “ديون؟” همستها بصدمة. “أبويا مكنش بيقولي حاجة… ده كدب!”

 

“أبوكي كان رجل شهم ومحترم، ومحبش يتقل عليكي. بس دي الحقيقة.” قالها بصوت فيه نبرة تعاطف غريبة عليها. “أنتي مراتي، وليكي عندي بيت وحياة كريمة. مفيش داعي للمسكنة دي.”

 

“مسكنة؟!” صرخت بيه وهي بتلف وشها ناحيته. “أنت شايف اللي أنا فيه ده مسكنة؟ أبويا اللي جوزني لك وأنا عندي ستاشر سنة مات! مات وسابني لوحدي! وكل اللي بتقوله ده كلام ملوش أي لازمة!”

 

لف معتصم بالعربية فجأة، وركن على جانب الطريق. بصلها بعينين ضيقتين. “لوحدك؟ مش لوحدك يا غزل. أنا موجود. وأنتي مراتي. شئتي أم أبيتي، ده الواقع. أبوكي عمل الصح، وحماكي من شر الدنيا. وأنا مش هسيبك، لا قبله ولا بعده.”

 

كان صوته هادي، بس في نفس الوقت مكنتش بتقدر تتخيل إن فيه كمية حزم زي دي. قلبها اتنفض. عمرها ما شافت معتصم كده. هو دايماً كان الراجل اللي بيزورهم في البيت كل فين وفين، بيسلم على أبوها ويسأل عنها، بس مجرد سؤال عابر. مكنش فيه أي تواصل حقيقي بينهم. مكنش فيه أي حاجة تعرفها عنه غير إنه “جوزها اللي على ورق”.

 

“أنا… أنا مش عايزة أعيش في قصرك يا معتصم. أنا مش عايزة حاجة منك.” قالتها وهي بتحاول تكبت دموعها اللي رجعت تاني تهاجمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *