حماتي كانت بتفتح تلاجتي
اقتربت منه، ووضعت يدي على كتفه، وقلت بصدق عرفت من شهرين، لما وصلت رسالة من المستشفى بالخطأ، مكتوب فيها نتائج تحاليل قديمة لوالدتك، وبيانات تثبت أن النسب مش مطابق. أول ما قرأتها، اټصدمت زيك، وكنت عاوزة أتكلم معاك فورًا. بس قلت لازم نفكر كويس، ونتأكد، ونعرف إيه اللي حصل بالظبط قبل ما نكسر كل حاجة. كنت خاېفة عليك، وخاېفة على بيتنا، وعارفة إن الخبر ده مش سهل على أي حد.
أومأ برأسه، وكأنه يتفهم موقفي، ثم عاد ينظر إلى أمه التي كانت لا تزال تبكي.
وأبوك؟ الله يرحمه كان يعرف؟ سألها بصوت منخفض.
هزت رأسها بالنفي، وقالت لا، ما عرفش أبدًا. ماټ وهو يظن إنك ابنه، وكنتِ دائمًا تقول إنه فخور بيك. وده كان اللي كنت عاوزاه، إنك تعيش حياة طبيعية، بلا هموم ولا مشاكل. لكن القدر كان له رأي تاني.
مرت لحظات من الصمت الثقيل، لا يسمع فيها سوى صوت أنفاسنا وارتجافات الحاجة فوزية. كانت الشمس قد بدأت تغرب، وملأ الظلام أركان الغرفة، وكأنها تعكس الحالة النفسية التي نمر بها.
ثم تكلم كريم مرة أخرى، بصوت أكثر هدوءًا وثباتًا، وكأنه اتخذ قرارًا الحقيقة طلعت، ومش هنقدر نرجعها تاني مدفونة. بس اللي حصل حصل، ومش هنقدر نغير الماضي. أبويا اللي رباني، وعلمني، ورباني على الأخلاق والقيم، هو أبوي الحقيقي بكل معنى الكلمة. واللي في الأوراق دي مجرد جينات، مش هيغير إني ابنه، ولا هيغير حبك ليا ولا حبي ليكِ.
نظرت إليه بإعجاب، فهذا هو الرجل الذي تزوجته، حكيمًا وعاقلًا حتى في أصعب المواقف.
أكمل كريم حديثه، وهو ينظر إلى أمه بس لازم نغير كل حاجة من دلوقتي. السر خلاص انتهى، والخۏف اللي كنتِ عايشاه كل السنين دي مش لازم يستمر. لكن التصرفات اللي كانت ناتجة عنه دي لازم تتغير. مش معنى إنك أمي، إنك تتصرفي في بيتنا زي ما تحبي، وتاخدي الحاجات من غير استئذان، وتفتحي الأدراج والتلاجة كأنها ملك ليكِ. ده بيتنا، وأنا ومنى لي خصوصيتنا، وده حقنا.
رفعت الحاجة فوزية عينيها، ونظرت إليه بدهشة، وكأنها لم تتوقع أن يصل الحديث إلى هذا الحد.
يعني أنت بتلومني؟ سألت بنبرة متأثرة.
مش بلومك على الماضي، لأ رد كريم بحزم، لأن الماضي ما ينفعش فيه الكلام. بلومك على الطريقة اللي كنتِ بتتعاملي بيها معانا في الحاضر. من أول يوم دخلت فيه منى البيت، كنتِ بتعامليها كأنها غريبة، وكأنها جات تاخد مكانك. وبتتصرفي في البيت كأنك المالكة الوحيدة. وكل ما كنتِ نطلب منك نرسم حدود، كنتِ تقولي إنها أمي ولها الحق. لكن الحقوق لها حدود، وخصوصية الناس مش ممكن تتعدى.