تحت المطر محمد نور

عشر دقايق تحت المطر كانوا كفاية إن أخطر رجل ماڤيا في القاهرة يشوفني واقفة قدام بوتيك فخم، ببص على فستان عمري ما كنت هقدر أشتريه.
أنا كنت فاكرة إني مجرد واحدة مرهقة، واقفة بتحسب الجنيهات اللي في شنطتها، لكن مراد الشافعي كان بيراقبني من ورا إزاز المحل، ولا أنا ولا هو كنا نعرف إن اللحظة الهادية دي كانت على وشك تغيّر حياتنا إحنا الاتنين.
اسمي مريم عادل، وعندي سبعة وعشرين سنة، وكنت اتعلمت خلاص قد إيه مجرد إنك تعيش ممكن يبقى مكلف.
مش العيشة المريحة.
دي حاجة تانية خالص.
أنا بتكلم عن البقاء.
عن إنك تعدّ الفلوس قبل ما تشتري رغيف عيش.
عن إنك تبص على سعر الدوا وتحس إن حد لسه قافل باب في وشك.
عن إنك تبتسم عشان أخوك الصغير ما ياخدش باله إنك بتحسب في دماغك أنهي فاتورة ممكن تستنى أسبوع كمان من غير ما الدنيا كلها تقع فوق دماغك.
كنت عايشة في شقة ضيقة، في الدور التاني فوق مخبز قديم، مع أخويا آدم، اللي كان عنده ستاشر سنة.
المكان كانت ريحته دايمًا خليط من الدقيق والخميرة والمواسير القديمة.
في الشتا، بخار المخبز كان بيطلع لفوق من الأرض، زي عزاء بسيط وفقير.
وفي الصيف،

الحر كان بيتحبس بين الحيطان لدرجة إن النوم نفسه كان بيبقى كأنه شغل تاني.
ومع كده، كانت دي شقتنا.
أو على الأقل كنت بحاول أقنع نفسي بكده كل مرة صاحب العمارة كان بيزق ورقة تحت الباب.
آدم كان عنده مشكلة في القلب.
اتعلمت أقول الجملة دي من غير ما صوتي يتكسر.
مشكلة في القلب.
كأنها مجرد وصف بسيط.
كأنها مش معناها طوارئ ومستشفيات، وأدوية مترتبة على الترابيزة، وتعليمات دكاترة متعلقة على التلاجة، وخوف مستمر بيقعد جنبي حتى وأنا بحاول أرتاح.
أيامه كانت متقسمة بالمنبهات.
دواء الصبح.
دواء الضهر.
ميعاد المتابعة.
تسجيل الأعراض.
وقائمة بالحاجات اللي ممنوع يعملها.
ما يجريش كتير.
ما يطلعش السلم بسرعة.
ما يتخضش زيادة.
ما يعيش حياته بصوت عالي أوي.
أمي ماټت من تلات سنين.
ما كانتش ۏفاة درامية.
ما كانش فيه وداع مثالي، ولا كلمات أخيرة نقدر نطرزها على مخدة ونفضل محتفظين بيها.
كان مجرد مرض اتقدم أسرع من أملنا، ومستشفى سلّمتني شوية أكياس فيها هدومها، كأن حياة الإنسان ممكن ترجعلك متطبقة جوه أكياس.
أبويا كان سايبنا قبلها بكتير.
في الأول بطل يتصل.
بعدها
بطل يبعت فلوس.
وفي الآخر بطلنا نتكلم عنه أصلًا، ودي طريقة بطيئة ونظيفة لمۏت شخص لسه عايش في مكان ما.
ومن ساعتها، أنا وآدم كنا كل اللي فاضل لبعض.
كل يوم الصبح كنت بصحى قبل الفجر.
الدنيا في الوقت ده كان لونها رمادي، كأنها لسه مقررتش إذا كانت تستاهل تنوّر ولا لأ.
كنت بحضر فطار آدم، وأراجع له أدويته، وأسيب له ورقة جنب كوباية المية.
ما تنساش الحباية الزرقا.
ما تطلعش السلم بسرعة.
كلمني لو حسيت بۏجع.
وأوقات كنت برسم جنب الكلام وش صغير مبتسم.
مش عشان كنت حاسة إني عايزة أبقى مرحة.
لكن لأنه كان عنده ستاشر سنة، وكان يستاهل يصحى يلاقي حاجة مش شبه أمر طبي.
بعدها كنت أقطع المدينة كلها عشان أروح شغلي في استقبال فندق صغير.
الفندق ما كانش فخم.
السجاد كان مستهلك، والأسانسير كان بيتعطل لما الدنيا تمطر، والسياح كانوا أوقات بيفتكروا إن المكان الرخيص معناه إن من حقهم يعاملوا الناس بقسۏة.
كنت بابتسم.
آخد البيانات.
أسلّم المفاتيح.
وأعتذر عن حاجات ما كانتش غلطتي.
ولما كنت بقدر، كنت بنضف مكاتب بالليل عشان أجيب دخل زيادة.
هناك، محدش كان بيشوفني.
وده كان
أوقات بيبقى مريح.
كنت بمشي بالمكنسة الكهربائية في ممرات فاضية، وأفضّي سلال الژبالة اللي فيها بقايا غدا غالي، وألمّع ترابيزات الاجتماعات اللي ناس لابسة ساعات غالية كانت

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *