مرات الاب والسم ج١ انجي الخطيب
مريم كتمت نفسها ووقفت مكانها لما شافت حاجة غريبة بتتحرك في الضلمة. النور الصغير المتردد بتاع كشافات الطوارئ اللي في آخر الممر اشتغل فجأة وطفى، اشتغل وطفى بسرعة.. وفي اللقطات الخاطفة دي، مريم شافت أخوها الصغير!
الولد مكنش نايم على السرير.. مكنش ميت..
الولد كان واقف على المشاية الحديد بتاعة السرير، ساند إيديه ورجليه عليها زي العنكبوت، راسه كانت مقلوبة لورا بزاوية مش طبيعية، وعينيه الاتنين كانوا عبارة عن بياض كامل مفيش فيهم نني.. باصص لها والابتسامة الخبيثة لسة مرسومة على وشه المشوه بالزرقة.
مريم صرخت صرخة مكتومة وهي بتبعد، بس ظهرها خبط في حد واقف وراها!
لفت برعب، وبضوء الكشاف الخافت اللي عمال يرعش، شافت مرات أبوها واقفة وراها بالظبط، قريبة من وشها لدرجة إن أنفاسها السخنة كانت بتخبط في مريم.. كانت لابسة عبايتها السودا، ولابسة في رقبتها الخيط الأسود المتين، وبصت لمريم وفتحت بوقها اللي كان بينزل منه سائل أسود زي الحبر، وقالت لها بهمس مرعب:
”العمل مكنش في بطن أخوكي يا مريم.. العمل كان في عينه.. ودلوقتي هو شافك!”
……….
مريم حست ببرودة الموت بتسري في ضهرها، الريحة السودا اللي طالعة من بوق مرات أبوها خنقتها، والكلمات نزلت عليها زي الصاعقة. لفت وشها برعب ناحية أوضة الإنعاش، شافت أخوها الصغير وهو لسة متثبت فوق السرير بوضعه المرعب ده، بياض عينه عمال يشع في الضلمة، وراسه المقلوبة بدأت تتعدل ببطء مع صوت طقطقة عضم رقبتها اللي كان بيقرقع في الممر كله.
مرات أبوها ضحكت ضحكة مكتومة، وراحت مادّة إيدها اللي ضوافرها كانت متآكلة وسودا، ومسكت كتف مريم بقوة غريبة متطلعش من بشر:
”فات الوقت يا بنت بطني.. اللي حرسك السنين دي كلها مات الليلة دي.”
مريم وبمنتهى الرعب، زقتها بكل قوتها وجريت.. جريت في الممر المظلم وهي بتصرخ بهستيريا: “يا ناس! يا دكتور! الحقوني!”.. بس المستشفى كانت هسس، مفيش صريخ ممرضين، مفيش حركة دكاترة، الطوارئ اللي كانت مقلوبة من دقايق بقت زي المقبرة المهجورة.
وهي بتجري، لفت تبص وراها.. شافت أخوها الصغير نزل من على السرير على أربعة، وبيجري وراها بسرعة مش طبيعية على الأرض، بيزحف زي التعابين، ومرات أبوها ماشية وراه بخطوات بطيئة وواثقة وبتشاور عليه بإيدها.