مرات الاب والسم ج١ انجي الخطيب

مريم رجعت خطوتين لورا، الصدمة لجمت لسانها، عينيها برقت وهي باصة للكيس البلاستيك اللي في إيد الدكتور. الحتة الصغيرة دي من الورق المبلول بالدم والخيط الأسود المتين كانت بتتحرك قدام عينيها كأنها كابوس. النفس هرب منها تماماً، وصوت ضربات قلبها بقا هو الحاجة الوحيدة اللي سامعاها في طرقة المستشفى المرعبة.

​”اسمي أنا؟! أنت.. أنت بتقول إيه يا دكتور؟”

​الدكتور قرب منها خطوة، وشه خالي من أي تعبير، وبص حواليه يتأكد إن مفيش ممرضين قريبين، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي:

​”الولد مكنش بيقاوَم السم يا مريم.. الولد كان بيخنق نفسه بإيده وهو غايب عن الوعي عشان يبلع دي.. الورقة دي مكتوبة بدم حيض، ومكتوب فيها نصاً: (تُمحى مريم من الأرض كما يُمحى الأثر).. أخوكي الصغير مكنش ضحية.. أخوكي كان الوسيط اللي جاي يوصلك موتك لـ حد عندك.”

​مريم حست إن الحيطة اللي ساندة عليها بتميل بيها، دماغلها لفت، وافتركت فجأة شكل أخوها الصغير وهو بياكل.. مكنش بيعيط، مكنش بيصرخ.. ده كان بيبص لها بنظرة حادة وغريبة جداً وهو بيبلع اللقمة، نظرة متطلعش من طفل عنده سبع سنين أبداً!

​في اللحظة دي، النور قطع في الطرقة كلها.

​المستشفى غرقت في ضلمة كحل، وصوت أجهزة الإنعاش جوة الأوضة سكت تماماً.. مفيش حتى صوت الـ “تيت” المستمرة. وفي وسط السكون المرعب ده، مريم سمعت صوت ضحكة طفولية خبيثة، طالعة من جوة أوضة الإنعاش المقفولة.. ضحكة أخوها الصغير وهو بيقول بنبرة غليظة ومش نبرته:

​”برضو عرفتِ؟”

………..

الضلمة كانت تقيلة لدرجة تحس إنها بتخنق. مريم سِمعت الضحكة والكلمة، وجسمها كله تِجمد في مكانه، رجليها لزقت في الأرض ومبقتش قادرة حتى تصرخ. الصوت مكنش طالع من حنجرة طفل، ده كان صوت عميق، شاحط، كأنه جاي من بير غريق وضلمة.

​الدكتور اللي كان واقف قدامها اختفى أثره في ثانية، ملوش أي حس، ولا حتى صوت أنفاسه باين.

​مريم بدأت تتحرك لورا ببطء، إيديها بتترعش وهي بتتحسس الحيطة الساقعة عشان تلاقي طريقها، وعينيها بتحاول تخترق السواد الكحل ده. فجأة، حست بهوا ساقع جداً بيهب في وشها، وريحة الكلور النفاذة رجعت تاني بس مختلطة بريحة تراب ومقابر.

​الباب بتاع أوضة الإنعاش اتفتح ببطء شديد.. صرير الباب وهو بيتأرجح كان بيقطع السكون المرعب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *