خلف جدار الصمت شروق خالد

رامز كان باصص للورقة وهو مش مصدق عينيه.. الورقة كانت عبارة عن عقد ملكية شقة جديدة!
شقة تلات أوض وصالة في منطقة نظيفة وجديدة، ومكتوب في خانة المشتري: **رامز أحمد عبد السلام ونيرمين محمد الشافعي**.
### الصدمة
وقع من وسط الورق إيصالات سداد تانية كتير.. إيصال ورا إيصال، كلهم مدفوعين بانتظام على مدار خمس سنين كاملة. الإيصال الأخير كان بتاريخ الأسبوع اللي فات، ومكتوب عليه بخط واضح: **”تم سداد الدفعة الأخيرة واستلام مخالصة كاملة الثمن”**.
رامز بدأ ينهج، ونظراته بقت تروح وتيجي بين العقد وبين نيرمين اللي كانت واقفة حاطة إيدها على وسطها وبتعيط بدموع محبوسة من سنين.
* **رامز وصوته بيترعش:** “إيه.. إيه ده يا نيرمين؟ الشقة دي بتاعة مين؟ والفلوس دي جت منين؟”
* **نيرمين (بصوت مخنوق وكسرة):** “دي الشقة اللي أنت كنت بتموت وتجيبها للبنات عشان نطلع من رطوبة شقة الإيجار وقرفها.. دي الشقة اللي كنت بتنام زعلان وتقول نفسي أموت وأنا سايب للبنات حتة تسترهم.”
### الحقيقة العارية
نيرمين قربت منه، وخدت منه العقد وحطته على الترابيزة جنب التورتة، وقالت له وهي بتشاور على علبة البسكوت الصاج:
> “الـ 70 جنيه اللي كنت بديهالك والميكروباص اللي كنت بتركبه.. وتصليح كوتشيك اللي بقاله تلات سنين.. وتقشير إيدي في غسيل الهدوم على إيدي عشان نوفر تمن مسحوق الغسالة الأوتوماتيك.. وأكل الغلابة اللي مكنش بيعجبك.. كُل ده كان عشان الإيصال اللي في إيدك ده يتدفع في ميعاده ومكناش نتطرد أو الشقة تضيع مننا.”
>
رامز حس إن الهوا هرب من صدره. افتكر كلام صحابه في المصنع: *”مراتك ممشياك أشد من الضرائب”*، وافتكر حرقة دمه وكسوفه، وافتكر كُل لقمة رمى فيها المعلقة وكُل زعقة زعقها في وشها وهي صامتة ومبتنطقش.
* **نيرمين كملت وعياطها زاد:** “أنا مكنتش بـذلّك يا رامز.. أنا كنت بحميك وبحمي عيالك. لو كنت سبتك تصرف الـ 600 جنيه والـ 1000 جنيه على الفسح والكنزات والقمصان اللي ملهاش لزمة، كنا زماننا لسه في الشقة الضلمة دي، وبنتك جنا صدرها بيروح فيها كُل شتا من الرطوبة.. أنا كنت بشيل القرش الأبيض لليوم الأسود، وأنت كنت فاكرني بخيلة وبتحكم فيك.”
### دموع الندم
رامز مبقاش قادر يقف على رجليه، قعد على أقرب كرسي وحط العقد على ركبه، وبدأ يبكي بحرقة زي العيال الصغيرة. الندم كان بياكل في قلبه زي النار.
جنا وصوفي خرجوا من الأوضة بالراحة على صوت بكاء أبوهم، جريوا عليه وحضنوه وهم مش فاهمين حاجة. رامز شد عياله في حضنه وبقى يبوس راسهم ويقول: **”أنا آسف.. أنا أسف يا نيرمين.. أنا مكنتش فاهم حاجة.. أنا كنت غبي.”**
نيرمين وطت وقعدت على ركبها قدامه، ولمست إيده اللي كانت بتترعش.
* **نيرمين:** “أنا مش زعلانة منك يا رامز.. أنا بس كان نفسي تثق فيا. المركب اللي ليها ريسين بتغرق، وأنا شلت الشيلة عشان عارفة إنك بتتعب وشقاك غالي، ومكنش ينفع يضيع في الهوا.”
### بداية جديدة
في الليلة دي، الأكل مكنش “أكل غلابة”.. الفراخ المشوية والتورتة الصغيرة كانوا بطعم الانتصار والأمان اللي بقالهم ١٤ سنة بيحلموا بيه.
تاني يوم الصبح، رامز نزل المصنع وهو لابس الكوتشي القديم المقطوع، بس المرة دي كان ماشي ورافع راسه فوق في السما. ولما صحابه قعدوا يغمزوا له ويقولوا: **”ها يا بطل.. المدام فكت الكيس النهاردة ولا إيه؟”**
رامز ابتسم ب فخر، وطلع مفتاح الشقة الجديدة من جيبه وهزّه قدام عيونهم وقالهم بكل ثقة:
> **”المدام جابت لي بيت ملك باسمي وباسمها.. البيت اللي أنتو كلكم بقالكم ٢٠ سنة بتشتغلوا ومش عارفين تشتروا أوضة فيه.. عرفتوا بقى مراتي كانت بتعمل إيه بالفلوس؟”**
>
الكل سكت ومحدش عرف ينطق بكلمة. ومن اليوم ده، رامز بقا يشيل الفيزا يحطها في إيد نيرمين أول ما يقبض وهو بيقول لها: **”خدي يا أم البنات.. دبري وتكتكي.. أنا بشتغل وأنتِ اللي بتصنعي المستقبل.”**

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *