قصه محمد عبده
الجزء الأول
دخلت حماتي بيتي من غير إذن، وخدت كرسي بنتي المتحرك قدام عيون الجيران، وقالت بكل برود
إنتوا بتدلّعوها لحد ما تبقى عاجزة!
وجوزي طلب مني أهدى وأصبر كعادته
بس اللي حصل بعدها في نفس الليلة كان بداية النهاية، لأنّي قررت أتواصل مع محامية وأجمع كل الأدلة في صمت لحد ما سرّ عيلة مدفون بقاله أكتر من 30 سنة ظهر للنور.
٣ أيام بس ٣ أيام!
ده كل اللي قعده الكرسي المتحرك الجديد في أوضة بنتي قبل ما حماتي تتصل بعربية تبرعات وتاخده وهوّا لسه جديد، وبنتي نايمة في الأوضة اللي جنبها ومتعرفش حاجة.
أنا قعدت أوفّر فلوسه ١١ شهر كاملين.
اشتغلت شيفتات مضاعفة في مطعم صغير في الإسكندرية، وبعت خاتم جدتي، وحتى بطّلت أروح العلاج الطبيعي عشان أوفّر.
الكرسي كلفني حوالي ٧٠ ألف جنيه، وكان معمول مخصوص على مقاس بنتي ليلى، عندها ١١ سنة، مولودة بمشكلة في العمود الفقري، ومحتاجة دعم مستمر علشان تتحرك.
لما سألت حماتي أم خالد عملت كده ليه، بصتلي بثبات وقالت
أنا كنت بساعدكم الحاجة دي كانت عبء على بيت شايل هم كفاية.
جوزي خالد أخد نفس طويل وقال إني بكبّر الموضوع.
لكن الليلة دي كانت آخر مرة أسكت فيها.
اسمي مريم عبد الرحمن، ولسنين طويلة كنت سايبة قسوة حماتي تدخل بيتي تحت اسم الصراحة.
كنا عايشين في
شقة بسيطة قريبة من البحر، وعملنا منحدر إسمنتي قدام البيت بعد ما ليلى بطّلت تمشي خالص.
حماتي كانت بتسميه المنظر المشوّه للواجهة.
كانت دايمًا تلمّح إن مواعيد الدكاترة مدمّرة حياتنا، وإن السفر بقى مستحيل بسبب بنتي، وإننا بنخلّيها تعتمد علينا زيادة.
ما كانتش بتقول ده في وشي مباشرة
كانت تقوله في المطبخ، أو وسط الأكل، أو في مكالمة مع حد من قرايبها بصوت عالي كفاية إن ليلى تسمع.
وأكتر كلمة كانت بتستخدمها
حِمل تقيل.
في ليلة، لما ليلى كان عندها ٨ سنين، سألتني وهي نايمة في حضني
يا ماما أنا عبء؟
ساعتها حسيت قلبي اتكسر.
قلت لها إنها أجمل حاجة حصلت في حياتي
لكن من يومها بدأت تعتذر عن كل حاجة
عن إنها محتاجة مساعدة تلبس،
عن إنها تطلب حمام مناسب،
عن إنها بتاخد وقت أطول تركب العربية.
خالد كان دايمًا بيدافع عن أمه
دي من جيل تاني مش فاهمة بتقول إيه.
بس الحقيقة؟
كانت فاهمة كويس جدًا.
لما الكرسي الجديد وصل، ليلى عيطت من الفرحة.
كان لونه بنفسجي، خفيف، وفيه دعم يخليها تتحرك لوحدها من غير ألم.
سمّته نجمة
وقالت إنها أخيرًا حست إنها بتتحرك بسرعة أفكارها.
بعد ٣ أيام بس
رجعت من الشغل، لقيت الجراج فاضي.
خالد شايل ليلى بين إيديه.
حماتي دخلت بمفتاح قديم، واتصلت بجمعية، وتبرعت بالكرسي مع شوية بطاطين قديمة ولمبة مكسورة!
اتصلت فورًا بالجمعية
قالولي إن الحاجات اتفرزت وممكن تتوزع في نفس اليوم.
واجهتها في التليفون
ما كانتش محتاجة الرفاهية دي قالت لازم حد يفكر في باقي العيلة.
قفلت المكالمة وبصيت لخالد مستنية منه رد فعل أي رد فعل!
لكنه قال بهدوء
مريم، بلاش تعملي مشكلة أمي ما قصدتش تأذي.
في اللحظة دي
بنتي ليلى قالت بصوت واطي وهي قاعدة على الكرسي القديم
معلش أنا آسفة إني بعمل مشاكل.
ساعتها بس فهمت
إن بنتي بدأت تكره نفسها وتكره وجودها.
وفي الصبح اللي بعده
اللي عملته خلّى العيلة كلها تتصدم.
يتبع
الجزء الثاني
تاني يوم الصبح ما صحتش بدري عشان الشغل.
صحيت عشان آخد قرار.
بصيت على ليلى وهي نايمة، ماسكة إيدي كأنها خايفة أسيبها وساعتها عرفت إن السكوت اللي عشت بيه سنين، هو اللي وصلنا لكده.
لبست بهدوء، وخرجت من غير ما أقول لحد.
أول مكان رُحت له كان مكتب محامية.
المحامية أستاذة نهى سمعتني من غير ما تقاطع.
حكيت لها كل حاجة الإهانات، التدخلات، اللي حصل في الكرسي وكل مرة كنت بسكت فيها عشان أحافظ على البيت.
سكتت شوية وبعدين قالت
إنتِ مش بس قدام مشكلة عائلية إنتِ قدام انتهاك قانوني صريح.
استغربت.
إزاي؟
اللي حصل اسمه سرقة ودخول بيت بدون إذن وكمان في إساءة نفسية لطفلة.
الكلام نزل عليّ زي الصدمة بس لأول مرة حسّيت إني مش مجنونة وإن اللي بيحصل ده مش عادي.
رجعت البيت لكن مش زي كل مرة.
دخلت وبدأت أدوّر على كل حاجة ممكن تثبت اللي حصل
فواتير الكرسي، صور، تسجيلات قديمة، حتى الرسائل اللي كانت حماتي بتبعتها.
لقيت تسجيل صوتي قديم كانت بتتكلم فيه مع واحدة من قرايبها، وبتقول
البنت دي لو فضلت عايشة بالطريقة دي، هتفضل مربوطة في رقبتهم العمر كله.
إيدي كانت بتترعش بس حفظت التسجيل.
بالليل، خالد رجع وقعد جنبي
مريم، الموضوع خلص ننسى بقى.
بصيت له بهدوء وقلت
لأ الموضوع لسه بيبدأ.
استغرب طريقتي يمكن لأول مرة يشوفني مش ضعيفة.
بعدها بساعات، جالي اتصال من رقم غريب.
مدام مريم؟ إحنا من الجمعية اللي استلمت الكرسي.
قلبي دق بسرعة.
أيوه في حاجة؟
في حاجة غريبة حصلت الست اللي جابت الكرسي ما كانتش لوحدها.
سكت شوية، وكمل
كان معاها راجل ووقّع على أوراق كأنه صاحب القرار.
اتجمدت مكاني.
راجل؟ مين؟
اسمه خالد.
الموبايل وقع من إيدي.
جوزي كان مع أمه.
مش بس سكت
كان شريك.
رجعت أبص له وهو قاعد قدامي نفس الشخص اللي كان بيقول أمي ما تقصدش.
قربت منه وقلت بصوت ثابت
إنت كنت معاها؟
سكت وبص بعيد.
وده كان كفاية.
في اللحظة دي حاجة جوايا ماتت.
مش بس الثقة
حتى الذكريات.
قومت من مكاني، وفتحت درج كنت مخبّية فيه ورق قديم
ورقة واحدة بس كانت كفيلة تغيّر كل حاجة.
ورقة ما كنتش ناوية أستخدمها
لكن خلاص، مفيش
لمحة نيوز