ساحره ج٣ اماني السيد

قعدت الأم على السرير وهي مش قادرة تنطق، شكلها عجز في ثانية، وبقيت تبص للفراغ وعينها مبرقة من كتر الذهول. الصدمة لجمت لسانها، وحست لأول مرة بنار الندم وهي بتفتكر شكل منيرة وطيبتها وأدبها، وبتستوعب المصيبة اللي كانت عايزة ترمي ابنها فيها بدافع الغيرة والسيطرة.

أحمد مَدّاش لأمه فرصة تفوق من صدمتها، كمل كلامه وهو بيلف حوالين نفسه في الأوضة زي الطير المذبوح: “سكتي ليه يا أمي؟ مش هي دي اللي كنتِ عايزاني أطلق بنت الأصول عشانها؟ أهو ربنا كشفهالك في ثانية عشان تعرفي ذنب منيرة اللي ظلمتيها واتهمتيها في دينها! أنا مش هقعد لك في البيت ده.. البيت اللي يتخرب فيه بيت ابنك بالباطل، مبقاش ليا قعاد فيه!”

لمّ هدومه في شنطة بسرعة، وأمه بتبص له بكسرة ورجاء، لأول مرة الجبروت يختفي من عيونها وتبان على حقيقتها؛ ست وحيدة، خربت بإيدها العش اللي كان دافنها وساترها. خرج أحمد ورزع الباب وراه، وسابها تواجه سواد عمايلها لوحدها بين أربع حيطان.

بعد مرور ستة أشهر…

في مكان تاني خالص، الحياة كانت بتدور والدنيا بتصالح اللي اتظلم.

كنت قاعدة في بلكونة بيت أبويا، الشمس دافية، وفي إيدي كوباية الشاي بقرنفل. لسانى مابطلش تسبيح ولا ذكر، بس المرة دي وأنا بالي مرتاح، ونفسيتي رايقة، ومفيش فوق راسي بشر بيعد عليا أنفاسي أو يفسر طاعتي لربنا على إنها دجل.

سيرتي الطيبة كانت زي الورد اللي بيفوح في كل مكان، وربنا عوضني بـ “عمر”.. راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مهندس محترم، من عيلة أصول، عرف حكايتي من أولها لآخرها من أبويا، وقبل ما يطلب إيدي قال لأبويا كلمة واحدة شالت كل الخوف من قلبي: “اللي متخافش ربنا في ذكر اسمه في بيتها، متتأمنش على عرض ولا مال.. ومنيرة دي مكانها فوق الراس، وأنا شاري دينها وأصلها”.

اتقدم لي، وتجوزنا، وعشت معاه في بيت كله أمان وسكينة. عمر كان الراجل اللي بجد، اللي لما بسبح أو بصلي على النبي في المطبخ، يدخل يبتسم ويقولي: “ربنا يبارك في إيدك وفي لقمة طالعة بذكر الله”.

أما أحمد وأمه.. فالدنيا دورت عليهم الدائرة كاملة. عرفت من الناس إن أحمد عايش تائه، رافض الجواز تماماً، وكل ما أمه تفتح معاه سيرة بيت أو عروسة يثور عليها ويسمعها كلام يسم البدن. وأمه بقيت قاعدة بطولها في الشقة، المرض هَدّها، وملقتش اللي يخدمها ولا اللي يسأل فيها، بعد ما خسرت بنت الأصول وخسرت رضا ابنها، وعرفت إن طعم الظلم مر، وإن ربنا حيطة سد للمظلومين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *