عقاب ١٨ سنه انجي الخطيب
خالد وطى راسه وباس إيدي، ودموعه بلت صوابعي:
— “أمي ماتت بجلطة وسكتة قلبية، الدكتور قالي وقتها ملهاش علاقة بالخناقة، دا عمرها… بس أنا استغليت دا عشان أداري عيبي… أنا اللي أسف… أنا اللي ضيعت عمرنا في كدبة.”
سكتنا… والصمت المرة دي مكنش عقاب، كان صمت تمنتاشر سنة من الوجع بتبخر في الهوا. اتسند عليا وأحنا خارجين من العيادة، ولأول مرة، ركبت الأوبر وأنا مش حاضنة شنطتي… كنت حاضنة إيده.
******”
ركبنا الأوبر، والطريق من مصر الجديدة لحد بيتنا في طنطا كان أطول طريق مشيته في حياتي. العربية كانت زحمة، وصوت الكلاكسات برا عالي، بس جوة العربية كان فيه سكون من نوع تاني خالص… سكون عامل زي الأرض بعد الزلزال، لما كل حاجة بتهدى بس ملامح المكان كلها بتتغير.
خالد كان لسه ماسك إيدي. صوابعه الخشنة كانت بتضغط على إيدي براحة، كأنه بيتأكد إني لسه موجودة، أو يمكن بيطمن نفسه إنه مبقاش خايف من لمستي. بصيت من شباك العربية، والدموع اللي نشفت على وشي كانت مخلية عيني تحرقني.
تمنتاشر سنة… شريط العمر كله بيتعاد قدام عيني. افتكرت لما بنتي اتخطبت وكان هو واقف يرحب بالناس بابتسامة باهتة، وافتكرت يوم فرح ابننا لما رجعنا البيت ودخل أوضته وقفل الباب وسابني واقفة في الصالة لوحدي بفستاني… كنت وقتها بموت وبقول لنفسي “لسه منسيش.. لسه مش طايقني”. طلعت كل النظرات دي، وكل الكسرة دي، مكنتش غضب.. كانت هروب وسجن هو سجن نفسه فيه وسجنني معاه.
وصلنا البيت. خالد فتح الباب بالمفتاح، ودخلنا. المكان هو هو، الشقة الهادية اللي مفيهاش روح، بس النهاردة حيطانها كانت بتتنفس لأول مرة.
شال شبشبه اللي جمب الباب، ودخل المطبخ من غير ما ينطق. وقفت في الصالة مش عارفة أتحرك، لحد ما لاقيته خارج وماسك في إيده “المج الأزرق” بتاعه، بس المرة دي… كان عامل مجين شاي.
حط المج على الترابيزة وقعد على الكنبة، وبصلي ونور الصالة الإصفر مبين كل تجعيدة في وشه:
— “اقعدي يا إيمان… ارتاحي.”
قعدت جمبه، بس سبت مسافة صغيرة، المسافة اللي السنين فرضتها علينا. بص للمج بتاعه وقال بصوت شرخان:
— “أنا عارف إن كلمة سامحيني مش هترجع يوم واحد من السنين اللي ضاعت… بس أنا كنت جبان. المرض بيكسر الراجل يا إيمان، بيكسره أوي… ولما بيجي لواحد شغال في السكة الحديد، طول عمره بيشيل وبيهد وصحته زي الحديد، وفجأة يلاقي نفسه مش قادر يحمي بيته أو يعيش طبيعي… الدنيا بتصغر في عينه.”