امراه مسنه
ومن دون ذلك…
ربما كنا سنضيع في الشوارع مثل كثير من الأطفال.
جلسوا حول الطاولة الصغيرة.
وبدأت الأحاديث تتدفق بينهم وكأن السنين الطويلة لم تكن سوى لحظة عابرة.
تحدثوا لساعات طويلة.
استعادوا الذكريات القديمة في السوق.
القدور التي كانت تغلي فيها البطاطا.
الزحام.
الأصوات.
والأيام التي كانوا يقفون فيها بصمت ينتظرون فقط قطعة طعام صغيرة.
حكى ماتيو عن السنوات الصعبة التي مرت بعد مغادرتهم القبو في شارع إندستريال.
قال إنهما عملا في كل شيء تقريبًا.
حمّالا في الأسواق.
غاسلي صحون في مطاعم صغيرة.
وأحيانًا كانا ينامان في مخازن قديمة بين أكياس الطحين.
وقال بابلو إن أصعب ما في تلك السنوات لم يكن الجوع…
بل الشعور بأن العالم كله لا يراك.
أن تمر بين الناس…
ولا يلتفت إليك أحد.
لكن رغم كل ذلك، كان هناك شيء واحد لم ينسياه أبدًا.
كشك البطاطا في سوق لا ميرسيد.
والمرأة العجوز التي لم تسألهما عن شيء…
لكنها أعطتهما الطعام والاحترام في الوقت نفسه.
قال ماتيو وهو ينظر إلى آنا بعينين مليئتين بالامتنان:
في أحد الأيام، عندما كنا نعمل في مخبز صغير، أعطانا خباز عجوز فرصة.
قال لنا:
إذا كنتما تريدان أن تعيشا من هذا العمل… فعليكما أن تحبّا الخبز.
ومنذ ذلك اليوم…
لم نتوقف.
كانا يستيقظان قبل الفجر.
يعجنان الطحين بأيدي متعبة.
ويتعلّمان أسرار المهنة خطوة خطوة.
وبعد سنوات…
استطاعا فتح مخبز صغير خاص بهما.
لم يكن كبيرًا.
ولم يكن جميلًا.
لكن الرائحة التي كانت تخرج منه كل صباح…
كانت تشبه الأمل.
ثم نجح المخبز.
وبعد سنوات فتحا مخبزًا ثانيًا.
ثم ثالثًا.
ومع مرور الوقت…
كبر العمل أكثر مما كانا يتخيلان.
لكن رغم كل النجاح…
كان هناك وعد لم ينسياه أبدًا.
الوعد الذي قالاه لبعضهما وهما طفلان جائعان يجلسان خلف كشك البطاطا.
إذا استطاعا يومًا أن ينهضا بحياتهما…
فسوف يعودان ليبحثا عن المرأة التي أطعمتهم عندما لم يكن لديهم شيء.
قال بابلو مبتسمًا:
احتفظنا بتلك القطعتين النحاسيتين لسنوات طويلة.
تلك التي كنا نحملهما دائمًا في جيوبنا.
كنا نقول إنهما تذكراننا بمن نحن.
ومن أين بدأنا.
نظرت آنا إليهما بصمت.
كانت عيناها
تلمعان بالدموع.
لكن تلك الدموع لم تكن حزنًا.
بل كانت شيئًا أعمق.
شيئًا يشبه الامتنان للحياة نفسها.
مرّت الساعات بسرعة دون أن يشعروا.