سقوط الجلاد ج٢ شروق خالد
مفتكرش إن رفعت في اللحظة دي فهم الكلمتين دول معناهم إيه، هو كل اللي شافه إن بنتين متبهدلين وجسدهم متدمر بينطقوا بآخر نفس. بص لملك بقرف وقال: “امشي يا شادية هاتي دكتور بيفهم من بره، المستشفى دي بلدية ومش عارفين إحنا مين”.
أمي مشيت وراه زي الضل، مرعوبة، بتبص لنا بنظرة رجاء إننا نسكت.. نظرة خنوع قت*لت جوايا أي أمل كان باقي ناحيتها.
في ثواني، الباب اتفتح، بس مكنش دكتور تاني.. كان معاون المباحث مع اتنين أمناء شرطة، والدكتور إيهاب واقف وراهم وشاور علينا: “هم دول يا فندم.. البنتين جيبينهم غايبين عن الوعي، والكسور والكدمات دي مش وقعة سلم.. دي علامات ضرب مبرح بآلة حادة وقبضة إيد، وجروح دفاعية على دراعاتهم”.
رفعت لسه هيبدأ يمثل دور الأب المصدوم المحترم ويقول: “يا فندم دول بناتي وأنا…”
قاطعته وأنا بحاول أصلب طولي على السرير، وجع ضلوعي كان بيموتني، بس وجع قلبي كان أقوى. قولت بصوت متحشرج بس مسموع: “ده مش أبونا.. ده جوز أمنا، وهو اللي عمل فينا كده.. وبيعمل كده كل يوم”.
أمي شهقت وصوتها طلع مخنوق: “بتكذبي ليه يا مريم! رفعت بيحبكم.. إنتوا اللي وقعتوا!”
الظابط بص لأمي بنظرة فاحصة ذكية، وبعدين بص لرفعت وقال له: “بطاقتك يا أستاذ.. وهتتفضل معانا على القسم نعمل محضر بالواقعة”.
رفعت ضحك ضحكته المستفزة وقال بثقة مرعبة: “مفيش مشاكل يا باشا.. نروح القسم، وهناك البنتين دول هيعترفوا إنهم بيتبلوا عليا عشان مش عايزينوني أربيهم.. مش كده يا شادية؟”
أمي هزت راسها وهي بتعيط. رفعت كان واثق إن المحضر هيتقفل “تعدي بسيط” أو “خناقة أسرية” كالعادة، وإننا لما نرجع البيت.. هيدفننا صاحيين.
بس اللي مكانش يعرفه.. إن الـ 18 سنة بتوعنا كملوا الساعة ١٢ بالليل، وإحنا في عربية الإسعاف!
تاني يوم الصبح في النيابة..
رفعت واقف بكامل أناقته وثقته، معاه محامي كبير من اللي بيشتريهم بفلوسه، وأمي قاعدة على الكرسي برا بتموت من الخوف. دخلت أنا وملك، ساندين على بعض، بوجعنا، وبأملنا الوحيد.
وكيل النيابة بص في تقرير الطب الشرعي اللي كان صدمة؛ ارتجاج في المخ لملك، وشرخ في الضلوع ليا، وكدمات متفرقة من درجات تانية.
المحامي بتاع رفعت بدأ يتكلم: “يا فندم، موكلي رجل أعمال معروف، والبنات في سن مراهقة حرج، والوالدة نفسها شهدت إنها مجرد حادثة من على السلم، والبنات بيحاولوا ينتقموا من زوج الأم بسبب قيوده التربوية”.
هنا ملك بصت لوكيل النيابة وقالت بهدوء وثبات: “يا فندم.. إحنا معانا فلاش ميموري عليها تسجيلات لـ 92 ليلة عذاب.. بالتواريخ والساعات.. بصوته وهو بيعذبنا، وبصوت أمنا وهي بتترجاه يوقف ضرب عشان هنموت في إيده”.
وش رفعت اتقلب في ثانية.. الألوان هربت من وشه، وبص لأمي بغضب أعمى افتكرها هي اللي خانته، بس أمي كانت مذهولة زيها زيه.
طلعت الفلاشة من جيبي—اللي كنت ملقياها للممرضة في المستشفى وطلبت منها تحميها لحد الصبح. وكيل النيابة أخد الفلاشة، وحطها في اللاب توب بتاعه.. وشغل أول مقطع.
الصوت كان واضح ونقي.. صوت الهبد.. صراخ ملك وهي بتستغيث، وصوت رفعت وهو بيتنفس بصعوبة وبيقول بجبروت: “هتكسر عيني يا مريم؟ طب ورب العرش لأربيكي.. علي التلفزيون يا شادية!”، وصوت ضربات متتالية تقطع القلب.
المحامي سكت ومقدرش ينطق بكلمة. وكيل النيابة وشه احمر من الغضب، وبص لرفعت اللي بدأ يعرق وجسمه يترعش، الثقة المريضة اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي.
ملك كملت: “ومش بس كده يا فندم.. رفعت مكانش بيربينا.. رفعت محبوس في قضايا نصب قديمة في المحافظة تانية وبأسماء مستعارة، وكان قاعد في بيتنا ومستني نتم ١٨ سنة عشان يجبرنا نمضي له على توكيل عام يتصرف فيه في ورث أبونا “إبراهيم نصار”.. ودي الأوراق الرسمية لشركات بابا، وده إثبات إن عمنا “أحمد نصار” راجع مصر بكره بعد ما أبلغناه بكل حاجة من تليفون المستشفى”.
وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة وقال: “أقفل المحضر.. يثبت تفريغ التسجيلات المرفقة.. ويقبض على المتهم رفعت… بتهمة التعذيب الشديد، والشروع في قت*ل ق*اصرات، مع مراعاة قضايا النصب السابقة”.
رفعت وهو بيتسحب بالكلابشات، بصلي بنظرة غل وعجز.. النظرة دي غسلت كل الخوف اللي كان في عيوني طول السنين اللي فاتت. بصيت له وابتسمت نفس الابتسامة اللي كان بيكرهها.. وقولتله بصوت واطي: “الشجاعة مش دور بنمثله يا رفعت.. الشجاعة دي ورث من أبونا”.
خرجنا من المكتب، وأمي جرت علينا وهي بتعيط وتطلب السماح.. ملك حطت إيدها على كتف أمي وطبطبت عليها، بس بعدتها براحة وقالتلها: “إحنا مسمحينك يا أمي.. بس السلم اللي قُلتي إننا وقعنا من عليه.. إحنا خلاص وصلنا لآخره، ومش هنرجع للبيت ده تاني”.
عمي أحمد وصل المطار بالليل، وأخدنا في حضنه، ولأول مرة من سنين.. نمت أنا وملك وإحنا مش خايفين من الساعة لما تيجي ١٢ بالليل، ومش خايفين من صوت التلفزيون لما يعلى. الفخ قفل.. والكلب أخد جزاءه.