قطه في وادي الذئاب ج١ اسماء عبدالقادر
_ أشرف ، أشرف ، يا أشرف
أخذت تضر,به على وجهه بخفة بينما تنادى باسمه و هى ترفع مستوى نبرتها فى كل مرة عن سابقتها كى تصل إلى أذنه و يعود إلى مرحلة الوعى مجددا ، و لكنه على ما يبدو قد أغشى عليه تماما بعد كم الخمور الذى تناوله أمس ، و بعد عدد غير قليل من المحاولات بدأ يبعد جفنيه عن بعضهما بانزعاج و قد تنبهت حواسه أخيرا الى إشعارات زلزلت خلاياه العصبية ، أخذ ينفض جسده عن لمساتها قائلا بانزعاج:
_ سيبينى بقى يا هيدى
_ اسيبك ازاى بس؟
قالتها باستنكار ، ثم وقفت عن الأريكة و اتجهت الى إبريق الماء الموضوع على المائدة الكبيرة حيث تأخذه ثم تأتى به إليه لتسكبه كاملا على جسده ، هب واقفا و هو يحرك يديه فى الهواء بعشوائية و كأنه يطلب النجاة من الغرق ، مع صدر يعلو و يهبط باضطراب ، مسح على وجهه بسرعة ليفتح عينيه و قد وضحت الرؤية قليلا ، نظر نحو هيدى التى تستند على ظهر الكرسى بغضب ثم اقترب منها مزمجرا بحدة:
_ اى يا هيدى اللى عملتيه ده؟ ، كنتى هتموتينى
اعتدلت فى وقفتها و هى تقول بتبرم:
_ أمال عايزنى اعمل اى يعنى؟ ، مش راضى تصحى خالص قلقتنى عليك
ثم أشارت بسبابتها نحو كم الزجاجات الفارغة الموضوع على المنضدة و الأرض قائلة بدهشة:
_ و بعدين اى كل الشامبانيا اللى شربتها دى؟ ، أنت مجنون؟؟
ضم قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله ليصفع بها المزهرية التى لا حول لها و لا قوة لتقع أرضا متهشمة ، شهقت هيدى بفزع بينما صرخ أشرف يقول بألم:
_ اعمل اى يعنى؟ ، أبويا حط سكينة حادة على رقبتى بتدبحنى بالبطئ ، لازم اتجوز واحدة من الصعيد عشان اعرف اخد ميراثى و انا بحبك انتى يا هيدى ، ماقدرش ابعد عنك
ثم استرسل يقول بمرارة:
_ انا بموت ، بمووووت ، ليه بابا عمل فيا كدة؟!
احتوته بين أحضانها فى حنان و قد ركزت حدقتاها الحادتان الملتمعتان بفكرة خبيثة فى اتجاه واحد تهدئه قائلة بثبات:
_ ما تقلقش يا أشرف ، كل حاجة ليها حل ، كل حاجة ليها حل
بينما كانت نجاة تضع ارغفة الخبز النيئة داخل الموقد باغتتها زينة بسؤالها قائلة:
_ اى حكاية الطار اللى بيننا و بين عيلة الشهاوى دى يا نجاة؟
رفعت نجاة أحد حاجبيها متعحبة و هى تقول:
_ عايزة تعرفى ليه؟
تحدثت زينة بمشاغبة:
_ و ماعرفش ليه؟ ، بعدين ابوى علطول خايف عليا منهم ، يبجى أكيد فى حاجة كبيرة
أنهت نجاة رص الارغفة فى صفوف منتظمة باحترافية اكتسبتها من التعود ، لتقف عن الكرسى القصير المقابل للموقد ثم تذهب نحو زينة و هى تزفر بضيق قائلة:
_ دى كانت عيطة كبيرة جوى بيننا من زمان ، سببها أرض لينا و أرض ليهم لاصجين ف بعض ، جه واحد منهم خدها حلوانة ف سلوانة و حرت ف كام جيراط من أرضنا و ده خلى ولد عم ابوى _ربنا يرحمه_ يتخانج معاه و وصلت لدمه ، و بدأت حكاية الطار واحد منهم و واحد مننا
ثم نطقت بصوت مختنق و قد اغرورقت عبراتها:
_ لحد ما راح فيها ابوى كمان
ربتت زينة على ساعدها مؤاذرة لها و معالم الشفقة باتت بادية على وجهها بينما أطلقت نجاة تنهيدة طويلة قبل أن تكمل بشفقة:
_ لحد ما جه الدور على واحد منهم و جال يوجف الطار راح سلم كفنه و دبح عليه عجل كبير ، و وجف الدم وجتها من ييجى تمن (8) سنين ، لكن أهله ما سابوهوش و اتهموه انه جبان و ناجص رجولة خاف من الموت جام سلم كفنه و مرغ راسهم فى الطين ، و مرته ام عياله الصغار طلبت الطلاج و خدت حضانة العيال ، و اتطرد من البلد خالص و من ساعتها ماحدش يعرفله طريج ، بعد اكده عيلة الشهاوى أعلنت انه انتحر
_ و ليه ما يكونش هما اللى جتلوه بنفسهم؟
سألتها باستنكار ، لتكمل نجاة و هى ترفع منكبيها إلى الأعلى إشارة الى عدم الفهم:
_ و الله ممكن ، سهل جوى عنديهم يجضوا على شاب زى الورد و مرته تنساه بالجفا ده! ، يالا الله يرحمها
قالت الأخيرة بلامبالاة لتعود زينة فى سؤالها قائلة بدهشة:
_ واه! ، ماتت؟!
اومات نجاة برأسها إيجابا و هى تقول:
_ إيوة ، من سنتين جالها اللهم احفظنا سرطان نهش جتتها و ماتت و عيالها فضلوا مع جدهم _حلمى الشهاوى_
ثم تحركت نحو ألموقد و هى تهمس بحزن:
_ يمكن ده كان حج الراجل اللى مات بسببها بعد ما كان مخليها مش ناجصة حاجة
_ انتى تعرفيه؟
جلست على الكرسى القصير ثم هزت رأسها نفيا و هى تقول:
_ لا ماعرفهوش بس سمعت انه كان زين جوى ، ف حنيته مافيش اتنين
_ كان اسمه ايه؟
فركت نجاة رأسها محاولة البحث عن الإجابة فى الذاكرة:
_ اسمه… ، اسمه…
ثم لوحت بسبابتها سريعا و قد وجدت ضالتها هاتفة:
_ إيوة ، إيوة ، سليم الشهاوى