قطه في وادي الذئاب ج١ اسماء عبدالقادر
_ خلاص زينة مالهاش تعليم تانى
نطق بها قاسم _والد زينة_ بنبرة جافة تحمل الإصرار فى طياتها ، ثم قرب السيجارة من فمه ليجذب منها نفسا عميقا بينما يعقد حسنى بين حاجبيه فى دهشة و هو يقول بتساؤل:
_ ليه بس يابوى؟
أبعد السيجارة عن فمه ثم سعل مرتين بخفة قبل ان يتشدق بنبرة حازمة لا تخلو من الخوف:
_ ما ينفعش تتحرك برة البيت تانى و انت عارف الطار اللى بيننا و بين الشهاوى ، ربنا يعلم كنت خايف عليها ازاى
ثم تشدق باقتضاب:
_ و بعدين كفاية عليها لحد أكده ، خلاص بجى عندها ستاشر (16) سنة ، ده اللى ف سنها معاهم عيال دلوكت
هم بالرد و لكن طرقات الباب أوقفته ليلتفت كلاهما نحو الباب قبل ان يقول قاسم آمرا:
_ ادخل
لم يكن الطارق سوى نجاة التى دلفت و بيدها صينية بها بضعة أطباق من حلوى الأرز ، تقدمت حتى صارت مقابلة لقاسم ثم انحنت بجذعها العلوى قائلة بابتسامة منتشية:
_ كل الرز بلبن ده يا عمى ، حلاوة نجاح زينة
حدجها قاسم بنظرات حارقة ناهرة و هو يأخذ الطبق من الصينية دون كلام حيث ناب عنه فى الحديث حسنى الذى زمجر بحدة:
_ ماتجيبيش سيرة النجاح دى على لسانك تانى يا نجاة
التفتت نحو زوجها و علامات الدهشة جلية على وجهها ، ثم عادت تنظر إلى عمها لتجده ينظر إلى الفراغ واجما دون الإدلاء بتعليق ، لتعود ببصرها نحو حسنى قائلة بتعجب:
_ ليه يا حسنى؟
صرخ بها ناهرا:
_ بتكترى حديت ليه؟ ، جلنا ما تجيبيش سيرة يبجى ما تجيبيش سيرة ، ده اى الحريم الجمايس دى؟!
أغمضت عينيها بتعب و قد علقت غصة بحلقها بعد زجرها أمام الوجود كعادته التى يتلذذ بها ، و كأن مقياس الرجولة عنده يتحدد بمقدار رفع صوته أمام زوجه و نهرها كل دقيقة و كأنها لوحة يعرض بها مقدار حزمه و رجولته! ، التقطت شهيقا عميقا ثم تركت الصينية على المنضدة و استدارت لتذهب بينما اوقفها صوت قاسم الذى قال موجها حديثه إلى حسنى مستنكرا:
_ و انت مش راضى تجولها ليه؟ ، أمال مين اللى هيفهم زينة غيرها؟
قطبت حاجبيها بدهشة ، لتتناسى دموعها المكبلة بمحجريها و هى تستدير قائلة بتساؤل تملؤه الريبة:
_ افهم زينة إيه؟!
_ لااااااا
أطلقت حروفها مع صرخة قوية نابعة من أعماقها و هى تجهش بالبكاء مرتمية بين ذراعى نجاة التى تشد من احتضانها تؤاذرها فى محنتها ، حيث تم تدمير حلم الصغيرة قبل البدء بأولى خطواته ، و قد كان هو آخر ما تبقى من أشلاء أحلامها المحطمة بعد انتقال معشوقها إلى الرحمن ، كان تعليمها هو آخر أمل بقى لها فى هذه الحياة الرتيبة ، و قام والدها باحراقه أمام عينيها غير آبه انه يتخذ من روحها وقودا لإحراقه! ، و كأنها كلما لمحت بصيصا من نار ينور دربها وجدت سريعا من يطفئه!
مسدت نجاة على خصلات زينة بحنان و هى تقول بمواساة:
_ معلهش يا زينة ، ماجاتش عالتعليم ، اكده ولا اكده كنتى هتسيبيه
نطقت زينة من بين شهقاتها و أنفاسها اللاهثة بحسرة:
_ كنت خلصت الثانوية عالأجل! ، ليه جطعنى منها اكده؟
ابعدتها نجاة عنها ثم احتضنت وجهها بين راحتيها المرتعشتين قائلة:
_ يا حبيبتى الواحدة مننا مالهاش غير بيتها و جوزها ، و انتى خلاص آن الأوان عشان تلاجى ابن الحلال اللى يصونك
انفجرت تصرخ بسخط:
_ اوووووه مش عايزة اتجوز ولا عايزة حاجة من الدنيا دى واصل ، كل اللى كنت بعمله انى اذاكر زى ما فارس وصانى عشان ياخدنى معاه فى البلد اللى راحها و اذاكر هناك زييه ، و لما فارس مات جلت اذاكر و اسمع الكلام يمكن احجج اللى كان نفسه فيه ، بس لأ لأ عمرى ماتمنيت حاجة و حصلت أبدا ، ليه كدة بس؟!
قبضت نجاة على ساعد زينة و هى تقول ناهرة بحزن:
_ بس يا زينة حرام تجولى اكده ، ابوكى خايف عليكى من الطار يا بتى ، ممكن يجصدوكى ف مرة و يجتلوكى ولا يعملوا فيكى حاجة عفشة لقدر الله
_ الطار خلص من سنين…
قاطعتها تقول بحزم:
_ بس بدأوا يتعركوا تانى بسبب فدادين الأراضى يا زينة ، ده سلسال دم ما كفاهوش شباب زى الورد راحو فيه بلاش ، و اللى وجف الطار طلعوه برة البلد ، اسمعى الكلام يا بت مشارى ، انتى وحيدة ابوكى الصغيرة لو جرالك حاجة ممكن يموت فيها