ابو مراتي

المستشفى كلمتني الساعة 1217 بعد نص الليل.
مرات حضرتك نجت من الموت بمعجزة.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أنسى إزاي وصلت للمستشفى.
كنت سايق بأقصى سرعة، وكل اللي في دماغي صورة نورهان وهي خارجة من البيت الصبح، حاطة إيدها على بطنها وبتقول لي
خلي بالك من نفسك يا أدهم أنا مستنياك ترجع.
ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة أشوف فيها ابتسامتها قبل ما حياتنا كلها تتغير.
دخلت المستشفى، لقيت نورهان في العناية المركزة.
وشها متورم، كتفها مكسور، وجسمها مليان إصابات وكدمات.
وقفت قدام الزجاج وأنا عاجز حتى إني أتكلم.
الدكتور خرج بعد وقت طويل.
هي مستقرة مؤقتًا، لكن حالتها محتاجة متابعة دقيقة جدًا.
بصيت له وقلت
والطفل؟
الدكتور سكت.
الثواني دي كانت أصعب من أي كلمة.
وبعدين قال
للأسف مقدرناش ننقذ الجنين.
حسيت إن الدنيا وقفت.
ابني اللي كنت مستنيه من سبع شهور مات قبل ما أشوفه.
رفعت عيني للدكتور.
مين عمل فيها كده؟
الشرطة هتتعامل مع الموضوع. إحنا سجلنا الإصابات وكل حاجة وصلت للمستشفى.
خرجت من قدام العناية، وهناك لقيتهم.
أبو نورهان وثمانية من إخواتها.
كانوا واقفين في آخر الطرقة وكأنهم مش شايفين مصيبة حصلت.
واحد منهم قال بسخرية
كان لازم تسمع كلام أبوها من الأول.
رديت بهدوء
إنتوا عارفين عملتوا إيه؟
أبوها رفع رأسه وقال
إحنا أهلها. محدش يحاسبنا عليها.
بصيت له طويلًا.
من النهارده كل حاجة هتتحاسب.
ضحك.
فلوسك مش هتعمل حاجة يا أدهم.
سكت.
لأنهم كانوا فاكرين إن أدهم رجل أعمال وبس.
ست سنين وأنا مخليهم يعرفوا جزء صغير جدًا من حياتي.
نورهان نفسها كانت فاكرة إن شغلي مجرد شركات واستثمارات.
لكن الحقيقة إن كل الشركات اللي كانت ظاهرة للناس كانت مجرد واجهة لعالم أكبر بكتير، عالم كنت بعيد عنه نورهان عمدًا عشان تعيش حياة هادية.
طلعت تليفوني وبعت رسالة واحدة
ابدأوا الإجراءات القانونية فورًا. ممنوع أي خطوة خارج القانون. عايز كل تسجيل، وكل تحويل مالي، وكل اسم شارك في الاعتداء.
بعد أقل من دقيقة، بدأت الملفات توصلني.
تسجيلات كاميرات.
تقارير طبية.
شهادات شهود.
وأهم حاجة
تحويل بنكي.
المبلغ اتبعت قبل الاعتداء بساعات.
ولما فتحت اسم صاحب الحساب، اتجمدت مكاني.
الفلوس ماجتش من واحد من إخوات نورهان.
الفلوس جاية من شخص ماكنتش متوقع يظهر اسمه أصلًا.
لكن قبل ما أستوعب المفاجأة، وصلني فيديو جديد.
كان مصور جوه المستشفى.
شفت واحد من إخوات نورهان بيدخل غرفة الطبيب المسؤول عن حالة مراتي.
خرج بعدها بدقائق.
وفي إيده ملف.
قلبي اتقبض.
جريت ناحية العناية.
وقفت قدام الباب، لكن الممرضة منعتني.
ممنوع الدخول.
أنا زوجها.
الدكتور أصدر تعليمات بعدم دخول أي حد.
بصيت لها.
أي دكتور؟
قالت اسم الطبيب.
نفس الطبيب اللي كان واقف قدامي من شوية وقال إن حالة نورهان مستقرة.
في اللحظة دي، عرفت إن في حاجة غلط.
اتصلت بالمحامي.
عايز تسجيلات المستشفى كلها من لحظة وصول نورهان. وعايز الشرطة تيجي فورًا.
وبعد دقائق، ظهرت الحقيقة.
التسجيلات أثبتت إن الطبيب دخل غرفة نورهان مرتين من غير تسجيل طبي واضح.
وفي المرة التانية، كان معاه شخص من عيلة نورهان.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في ملف الأدوية.
دواء اتكتب لنورهان ماكانش موجود أصلًا في خطة علاجها.
والجرعة كانت مختلفة عن الجرعة الطبيعية.
لو كانت اتاخدت
كانت حالتها ممكن تتدهور خلال دقائق.
صرخت
هاتوا الدكتور حالًا!
لكن الدكتور اختفى.
خرج من باب خلفي قبل وصول الشرطة بدقائق.
إلا إن أدهم المرة دي ماكانش ناوي يسيبه يهرب.
كل مخارج المستشفى كانت اتأمنت رسميًا.
وبعد أقل من ساعة، الشرطة قبضت عليه في موقف سيارات قريب.
لما واجهوه بالأدلة، انهار.
وقال الحقيقة.
الاعتداء على نورهان ماكانش نهاية الخطة.
كانوا عايزين يخلو حالتها تبدو كأنها مضاعفات طبيعية بسبب الإصابات، وبعدها يزوّروا بعض الأوراق الطبية عشان يضيع الدليل.
لكنهم ماحسبوش حساب الكاميرات.
ولا التحويلات البنكية.
ولا إن أدهم كان محتفظ بنسخة من كل المستندات.
بعد يومين، بدأت التحقيقات الرسمية.
واحد وراء التاني اعترف.
أما أبو نورهان، فكان آخر شخص يتكلم.
وقف قدام المحقق وقال
أنا أبوها.
المحقق رد بهدوء
وده مش بيديك حق تعتدي عليها.
في نفس اليوم، صدر قرار بحبس المتهمين على ذمة التحقيق.
وأنا فضلت واقف جنب غرفة نورهان.
بعد ساعات طويلة، فتحت عينيها.
أول كلمة قالتها
ابني؟
ماعرفتش أرد.
عينيها فهمت من سكوتي.
دموعها نزلت في هدوء.
وقالت
أنا آسفة يا أدهم.
مسكت إيدها وقلت
إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة.
سكتت شوية، وبعدين قالت
بابا كان عايزني أسيبك.
رديت
ومش هتسيبي حياتك عشان حد.
بصت لي وقالت
أنا خايفة.
قلت
وأنا مش هسيب حقك يضيع.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
الاعتداء كان متخطط له.
الطبيب حاول يتلاعب بالعلاج.
والأموال اتدفعت مقابل إسكات شهود وتغيير بعض المستندات.
لكن كل الأدلة اتقدمت للنيابة.
وبدأت محاكمة طويلة.
أما أنا، فعملت حاجة واحدة بس.
ماانتقمتش بإيدي.
خليت القانون ياخد مجراه.
وبعد شهور، خرجت نورهان من المستشفى.
كانت لسه بتتعافى، لكن لأول مرة قدرت تمشي بنفسها.
وقفت قدام باب المستشفى، بصت للسماء، وقالت
كنت فاكرة إنهم أقوى مني.
قلت لها
القوة مش في عدد اللي واقفين ضدك القوة إنك تفضلي واقفة بعد كل اللي حصل.
بصت لي وقالت
واللي حصل لابننا؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
مش هننساه.
رفعت عينيها وقالت
بس مش عايزة حياتنا كلها تبقى انتقام.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
يبقى نعيش وده أكبر رد عليهم.
ومشينا من المستشفى.
ورانا قضية كاملة هتغيّر مصير عيلة بأكملها.
وقدامنا حياة جديدة
من غير خوف.
ومن غير أسرار.
ومن غير ما حد يقدر يفرض علينا شكل حياتنا تاني لكن اللي حصل في المستشفى ماكانش نهاية الحكاية
كان بدايتها الحقيقية.
بعد خروج نورهان بأسبوع، كنت قاعد في المكتب براجع ملفات القضية، لما المحامي دخل عليّ ووشه متغير.
أدهم عندنا مشكلة.
رفعت عيني من الورق.
إيه؟
حط قدامي ملف أسود.
النيابة اكتشفت إن التحويل المالي اللي وصل للدكتور مش هو التحويل الوحيد.
فتحت الملف.
كان فيه سبعة تحويلات.
كل واحد فيهم اتعمل قبل حادثة الاعتداء بأيام.
والأغرب إن كل التحويلات كانت مرتبطة بشخص واحد.
شخص ماكانش من عيلة نورهان.
قلت
مين؟
المحامي بص لي للحظات.
مدير المؤسسة اللي أبو نورهان كان بيشتغل معاها من زمان.
سكت.
لأول مرة فهمت إن الموضوع أكبر من عيلة قررت تأذي بنتها.
كان فيه حد بيحرّكهم من بعيد.
اتصلت بالمحقق المسؤول.
عايز أعرف كل حاجة عن الراجل ده.
رد
إحنا بالفعل بدأنا نتحرى عنه، بس في حاجة أخطر.
إيه؟
قبل الاعتداء على نورهان بيومين، الراجل ده دخل على ملف قديم جدًا باسم والدك.
اتجمدت.
ملف أبويا؟
أيوه.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهم.
والدي كان متوفي من أكتر من عشر سنين.
وملفه كان مقفول.
على الأقل ده اللي كنت فاكره.
رجعت البيت ولقيت نورهان قاعدة في الصالة.
كانت لسه بتتعافى، لكنها كانت مصممة تعرف الحقيقة.
بصت لي وقالت
في حاجة حصلت؟
قلت
لقيت خيط جديد.
مرتبط بيا؟
مرتبط بيا أنا.
فتحت عينيها بدهشة.
حكيت لها كل اللي عرفته.
سكتت شوية، وبعدها قالت
يبقى اللي حصل لي كان جزء من حاجة أكبر.
قلت
واضح.
وفجأة افتكرت حاجة.
نورهان قالت
أدهم فاكر الدرج القديم اللي كان أبوك دايمًا بيمنع أي حد يقرب منه؟
بصيت لها.
إنتِ عرفتيه منين؟
لما اتجوزنا، كنت مرة في بيتكم القديم، وشفت درج مقفول. أبوك وقتها قال لي محدش يفتحه.
قفلت عيني لحظة.
أنا نفسي كنت نسيت الموضوع.
في نفس الليلة، رجعت للبيت القديم.
فتشت المكان كله.
لحد ما لقيت الدرج.
كان القفل قديم.
لكن المفاجأة إن المفتاح كان موجود في صندوق أوراق والدي.
فتحته.
جواه ملف واحد.
ومظروف بني.
فتحت المظروف.
لقيت صورة قديمة لأبي مع ثلاثة رجال.
واحد منهم كان أبو نورهان.
والثاني
كان نفس الرجل اللي التحويلات المالية طالعة منه.
قلبي دق بعنف.
يعني والد نورهان كان يعرف أبي من سنين؟
لكن ليه؟
فتحت الورقة الموجودة في الملف.
كانت رسالة مكتوبة بخط والدي
لو حد وصل للورقة دي، يبقى الخطر رجع من جديد.
ما تثقش في أي حد بيحاول يقنعك إن اللي حصل زمان انتهى.
وأهم حاجة
ابعد نورهان عن الموضوع.
وقفت مش قادر أتحرك.
نورهان كانت هي السبب اللي خلى أبي يكتب الجملة دي؟
ولا كانت هي نفسها الهدف من البداية؟
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
صوت رجل قال
لو عايز نورهان تفضل عايشة، اقفل الملف ده.
سكت.
قلت
إنت مين؟
رد
الراجل اللي أبوك حاول يوقفه من عشر سنين.
وبعدين قفل.
في اللحظة دي، فهمت إن القضية ماكانتشي مجرد اعتداء عائلي.
وإن اللي حصل لنورهان ممكن يكون جزء من حساب قديم بدأ قبل ما نتجوز أصلًا.
رجعت البيت.
نورهان كانت مستنياني.
بصت في وشي وقالت
عرفت إيه؟
حطيت الصورة قدامها.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قالت بصوت منخفض
ده أبويا.
قلت
وأبويا كان واقف جنبه.
سكتنا الاتنين.
وبعدين نورهان قالت جملة واحدة
يبقى لازم نعرف الحقيقة كاملة.
قفلت الملف.
وقلت
المرة دي، مش هخبي عنك حاجة.
لكن قبل ما نبدأ نقرأ باقي الأوراق
سمعنا صوت حاجة بتخبط في باب البيت.
وبعدها وصلت رسالة على تليفوني
لو فتحت الملف هتكتشف إن الشخص اللي بتدور عليه أقرب مما تتخيل.
بصيت لنورهان.
والملف لسه مفتوح قدامنا.
لكن الورقة الأخيرة
كانت باسمها هي مديت إيدي للورقة الأخيرة، لكن نورهان وقفتني.
استنى يا أدهم.
بصيت لها.
ليه؟
قالت وهي بتحاول تثبت صوتها
لو الورقة باسمي، لازم

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *