ثمن الكرامه شروق خالد
رجعت على البيت وأنا حاسّة إن الدنيا أخيراً بقت واسعة، وإن الهوا اللي بدخله صدري بقى نقي من أي كدب أو خوف. عدّيت على الأوضة، لقيت ابني حبيب صابر نايم نومة هادية وعميقة، بوسته على جبينه بشويش، وحسيت إن كل خطوة عملتها اليومين دول كانت عشان اللحظة دي.. عشان أضمن له أم وأمان حقيقيين، مش مجرد اسم كبير في عيلة همّها المظاهر وبس.
تاني يوم الصبح، وبالتحديد الساعة عشرة، كان محاميّ الخاص قاعد في صالون بيت العيلة مع جدي وأبو آسر، ومعاه ملف الطلاق وورقة التنازل ونقل ملكية كل الأصول اللي تخص ابني وضمانات مستقبله. آسر كان قاعد في ركن الغرفة، ووشه باهت ومكسور، كأنه لسه مش مصدق إن الإمبراطورية اللي بناها والدنيا اللي كان بيحركها على كيفه، اتهزت ووقعت لمجرد إنه ظنّ إن مراته هتسكت وتعديها.
وقّع على كل الأوراق من غير ما ينطق حرف واحد. محاميّه حاول يتدخل في تفاصيل صغيرة، بس نظرة واحدة من جدي الحاج محمود كانت كفاية عشان يبلع كلامه ويسكت.
خلصنا كل حاجة، وخدت ابني وأوراقي، وطلعت من قصر الزمالك وأنا عارفة إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
بعدها بشهور، فتحت شركتي الخاصة للاستثمار العقاري وإدارة المشاريع، واستغلت خبرتي اللي اكتسبتها طول سنين جوازي، ونجحت نجاح مكنش حتى آسر يتوقعه. بقيت أنا السيدة اللي بتدير وتأمر وتختار، مش اللي بتستنى في البيت على أمل إن جوزها يفتكرها.
أما آسر، فحاول يرجع يتقرب أكتر من مرة، وكان بيبعت ليساومني أو يتكلم عن العشرة، بس كنت بكتفي برد واحد، وببعت له رسالة قصيرة:
“اللي يفرط في الأصل، يستاهل يعيش على الرماد.”
والنهارده، وأنا قاعدة في بيتي الخاص، وشايفه ابني بيتكبر قدامي وهو رافع راسه، بفهم كويس إن أوقات الصدمات هي اللي بتصحّينا، وإن أثمل حاجة ممكن تملكها الست هي نفسها، وكرامتها، وحريتها اللي متتعوضش بكنوز الدنيا كلها.
ثمن الكرامة
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”