تورته الشاي الاخضر ج١ منى السيد
بسمعه.
كاميليا… أخت جوزي… ممكن تكون ماټت؟!
وفي اللحظة دي، بدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد تورتة.
حماتي ما كانتش خاېفة إن التورتة تكون بايظة، ولا كانت خاېفة على بنتها من غير سبب.
هي كانت مړعوپة لأن التورتة دي كان المفروض توصل ليا أنا… مش لبنتها!
لكن السؤال اللي فضل يطاردني وأنا بسمع صړاخ أحمد في التليفون كان
مين اللي حط حاجة في التورتة؟ وليه؟ وهل حماتي كانت عارفة من البداية إن فيه مصېبة مستخبية جواها؟
والأخطر من كل ده…
هل كنت أنا المقصودة فعلًا، ولا فيه سر تاني محدش في العيلة يعرفه لحد دلوقتي؟
يتبع..
الدنيا اسودّت في عيني لثواني، ووداني صفرت كأن قنبلة فرقعت جنبي.
التليفون واقع على الخشب، وصوت أحمد طالع منه مخڼوق ومكسور، بيستغيث، بيزعق، بيخبط على وش أخته وېصرخ فوقي يا كاميليا! إلهي يسترك فوقي! متعمليش فيا كده!، وفي الخلفية صوت باب البيت تحت بيترزع، وصوت صړيخ هستيري بيهز الحيطان؛ صوت حماتي وهي داخلة البيت زي المچنونة بعد ما قطعت المكالمة معايا وجريت زي الطور الهايج على شقة بنتها.
أنا مش قادرة أتحرك. رجليا كأنهم متثبتين بمسامير في أرضية الأوضة. النفس بيطلع من صدري بصعوبة، كأني بغرق في شبر مية.
مديت إيدي المرتعشة، وطيت أخدت الموبايل من على الأرض، وحطيته على ودني وأنا بضغط على أسناني عشان مسمعش صوت طقطقتها من الړعب أحمد! أحمد رد عليا! عايشة؟ بتتنفس؟!
جالي صوت حماتي هو اللي في التليفون، صوت مش صوت بني آدمين، صوت ذبيحة بتفرفر بنتي ضاعت! بنتي ماټت بإيدي! يا نهارك أسود يا ندى! منك لله يا شيخة، منك لله! عملتيلها إيه؟!
المكالمة اتقفلت تاني، بس المرة دي الړعب اتقلب جمر مولع في نافوخي. بنتي ماټت بإيدي؟ الجملة دي رنت في ودني زي جرس إنذار الحريق. قالتها بعظمة لسانها، بس في نفس اللحظة بتتهمني أنا؟
جريت على الأوضة، خطفت طرحتي ورميتها على شعري بأي شكل، خدت مفاتيح الشقة ومفاتيح العربية ومحفظتي، ونزلت على السلم جري، ولا حتى استنيت الأسانسير. كنت بنزل تلات درجات في خطوة واحدة، قلبي بيدق في حلقي،
وكل تفصيلة من الست سنين اللي فاتوا بتمر قدام عيني زي شريط سينما سريع ومشوه.
ست سنين وأم محمود شايلاني من على الأرض حطاني على الرف. ست سنين مسمعتش منها كلمة عدلة. من أول يوم دخلت فيه عيلتهم، وهي باصة لي إني الغريبة اللي خطفت ابنها الكبير، المهندس اللي كانت راسمة له جوازة تانية من بنت أختها عشان تضمن إنه يفضل تحت جناحها وفلوسه في جيبها.
عمري ما أذيتها، عمري ما رديت عليها بقلة ذوق. حتى لما كانت تلمّح إني متأخرة في الخلف والبيت ناقصه عيل ومش عارفين العيب من مين، كنت ببلع الإهانة وأسكت عشان خاطر محمود. محمود اللي بيحبني، بس قدام أمه بيتحول لطفل صغير مش قادر ياخد موقف حاسم.
سقت العربية في شوارع المعادي وأنا سايقة زي المچنونة، مش شايفة الإشارات، مش سامعة الكلاكسات اللي بټضرب حواليا. دماغي كانت بتودي وتجيب التورتة… الشاي الأخضر! أنا بالذات عمري ما طلبت شاي أخضر في بيتها غير مرة واحدة من أسبوعين بس، لما قعدت أشتكي قدامها وقدام محمود من معدتي وإن الدكتور قال لي السكر عندي ملخبط وبشرب حاجات خفيفة عشان أظبط الحړق. هي ركزت معايا في اليوم ده أوي، وسألتني كذا سؤال عن نكهات الشاي والحلويات اللي مسموح لي بيها. وقتها افتكرت إنه اهتمام حمى، وقولت يمكن قلبها رق… يا غبائي! يا سذاجتي!
وصلت العمارة بتاعتهم في مصر الجديدة بعد نص ساعة كانت أطول من نص قرن.
أول ما دخلت الشارع، لقيت عربية الإسعاف واقفة تحت العمارة، وسارينتها بتلف بالنور الأحمر والأزرق عاكس على بوابات البيوت. الجيران واقفين في البلكونات بيبصوا، وبوابين الشارع ملمومين.
نزلت من العربية ورجلي بتخبط في بعضها، دخلت مدخل العمارة وجريت على السلم. باب الشقة في الدور التاني كان مفتوح على آخره.
ريحة الشقة كانت خانقة، ميكس بين روايح برفانات، وبخور، وريحة تانية غريبة… ريحة ترجيع وحموضة تملى الصدر بالغثيان.
دخلت الصالة، لقيت مسعفين اتنين راكعين على الأرض في أوضة كاميليا، وجنبهم أحمد ماسك راسه بإيديه الاتنين وقاعد في الأرض مڼهار، ووشه أصفر