رجعت بعد خمس سنين

لكن لما واجهوه بالرسائل والأرقام، اعترف إنه هو اللي بعت الرسالة، بناءً على تعليمات من شخص تاني.
مين الشخص ده؟ سأله المحقق.
الراجل اتردد، وبعدين قال
دانييلا.
اتقبض عليها بعد ساعات، لكن المفاجأة إن حسام نفسه ما كانش موجود في المخزن.
وبعد مراجعة بياناته، اكتشفنا إنه سافر من القاهرة قبل يومين باستخدام اسم مختلف.
في نفس الوقت، المحققون حصلوا على إذن بفحص أجهزة إلكترونية مرتبطة بالقضية، وبدأت الصورة تتضح.
دانييلا كانت بتدير شبكة تحويلات مالية من خلال شركات وهمية، وحسام كان بيساعدها في تنفيذ العمليات وإخفاء المستندات.
لكن لما بدأ يشك إنها هتضحي بيه، احتفظ بنسخ من كل حاجة عشان يستخدمها ضدها لو احتاج.
أما التهديدات اللي وصلت لفاليريا، فكان الهدف منها منعها من تقديم الأدلة اللي معاها.
بعد القبض على دانييلا، طلبت مقابلتي.
رفضت في البداية، لكن مروان قاللي إن سماع أقوالها ممكن يساعدنا نفهم باقي التفاصيل، بشرط إن كل حاجة تتم بشكل رسمي.
قابلتها في وجود المحامي والمحقق.
كانت قاعدة قدامي من غير مكياج تقريبًا، وشعرها مربوط بإهمال. لأول مرة، ما كانتش بتحاول تبان أقوى من أي حد.
قالتلي
رودريجو، أنا عارفة إنك كرهتني دلوقتي، بس لازم تسمعني.
رديت ببرود
اتكلمي.
بدأت تعيط.
أنا ما كنتش ناوية كل ده يحصل.
ضحكت بمرارة.
أمال كنتِ ناوية إيه؟ تسرقي الشركة، وتخليني أطلق مراتي، وتحرمي طفلين من أبوهم، وبعدين تعيشي مكاني وكأن مفيش حاجة حصلت؟
غطت وشها بإيديها.
في الأول، كنت بس عايزة أحافظ على مكاني في الشركة. حسام كان بيقنعني إن التحويلات مجرد ترتيبات مؤقتة، وإننا هنرجّع الفلوس قبل ما حد يلاحظ.
وإنتِ صدقتيه؟
لأ… بعد فترة عرفت الحقيقة. بس وقتها كنت دخلت في الموضوع لحد رقبتي.
وفاليريا؟ ليه لفّقتيلها التهمة؟
سكتت فترة طويلة، وبعدين قالت
لأنها كانت أذكى مني. كانت بدأت تراجع الحسابات، وكانت هتكتشف كل حاجة. حسام قال إن لو إنت طلّقتها وشلتها من الشركة، محدش هيقدر يصدق كلامها بعد كده.
بصيتلها وأنا مش مصدق إن الإنسان ممكن يوصل للدرجة دي من القسوة.
والولاد؟ كنتِ عارفة إنها حامل؟
هزت راسها.
أيوه.
ولما كلمتك، ليه قولتيلها إني مش عايزهم؟
ردت وهي بتعيط
كنت خايفة. كنت عارفة إن لو رجعتلك، كل اللي بنيته هينهار.
سألتها السؤال اللي كان بيطاردني من أول ما شفتها
إنتِ حبيتيني أصلًا يا دانييلا؟
رفعت عينيها ناحيتي، وبعد لحظات قالت
في الأول، أيوه. أو يمكن كنت فاكرة إني بحبك. لكن بعدين بقيت عايزة حياتك كلها. شركتك، واسمك، وبيتك، وكل حاجة تخصك. وكنت فاكرة إن لو فاليريا خرجت من الصورة، هقدر أخليك ليا لوحدي.
سكتت، وبعدين قالت
بس في حاجة لازم تعرفها. حسام هو اللي كان بيخطط للهروب بكل الفلوس. أنا اكتشفت ده متأخر، وهو اللي هدّدني لما حاولت أوقفه. التسجيلات اللي عندك هتثبت إني شاركت في اللي حصل، لكن فيه حساب خارجي باسمه هو، عليه جزء كبير من الفلوس اللي اختفت.
المحقق طلب منها التفاصيل، وبدأت تتكلم عن الحسابات والتحويلات وأسماء الشركات.
لكن قبل ما الاجتماع يخلص، قالتلي جملة أخيرة
فاليريا ما كانتش السبب في خراب حياتك يا رودريجو. إنت اللي سلّمتني كل حاجة من غير ما تسأل نفسك إذا كنت بستاهل ثقتك أصلًا.
ما رديتش.
لأنها، رغم كل جرائمها، قالت الحقيقة الوحيدة اللي كنت بهرب منها.
أنا ما خسرتش فاليريا بسبب دانييلا بس. أنا خسرتها كمان بسبب قراري إني أصدق اللي يريحني، بدل ما أواجه الحقيقة اللي ممكن توجعني.
4. حسام الديب رجع… ومعاه آخر ورقة في اللعبة
بعد اعترافات دانييلا، القضية اتوسعت، لكن حسام فضل هارب.
مرت أسابيع، وخلالها بدأت أتعامل مع فاليريا بطريقة مختلفة تمامًا.
ما حاولتش أضغط عليها عشان ترجعلي، ولا طلبت منها تخلّي الولاد ينادوني بابا.
كنت ببعتلها كل أسبوع رسالة قصيرة أسأل فيها عن الولاد، ولو وافقت، كنت أقابلهم في مكان عام لمدة نص ساعة أو ساعة.
في أول مرة، الولد اللي كان حاضن الدبدوب قعد بعيد عني، والتاني فضِل يسألني أسئلة عن الفندق والعربيات والمصاعد.
ما كانش عندي حق أطلب منهم يحبوني.
كنت مجرد راجل غريب ظهر فجأة في حياتهم.
وفي يوم، وأنا رايح أقابلهم، وصلتني رسالة من رقم مجهول
حسام عايز يتكلم معاك. لو عايز تعرف فين الفلوس الباقية، روح لمكتب المحامي القديم في وسط البلد، الساعة 8 بالليل.
المرة دي، ما تصرفتش باندفاع.
بلغت المحامي والجهات المختصة، واترتبت مقابلة تحت إشرافهم.
وصلنا للمكان، ولقينا حسام قاعد في أوضة قديمة، باين عليه التعب والخوف.
أول ما شافني، قال
أنا عارف إنك عايز تشوفني ورا القضبان، بس عندي معلومات ممكن تساعدك تسترد جزء كبير من فلوسك.
قلتله
إنت مش في موقف يخليك تساومني. اتكلم، وكل حاجة هتتسجل.
ضحك بمرارة.
دانييلا كانت فاكرة إنها أذكى واحدة فينا. لكن الحقيقة إن كل واحد فينا كان بيجهز يبيع التاني. أنا عندي مستندات تثبت إن جزء من التحويلات راح لحسابات خارجية، وإن الشركة الوسيطة كانت مجرد واجهة.
طلع فلاشة صغيرة وحطّها على الترابيزة.
دي فيها العقود الأصلية، وسجلات التحويلات، ونسخ من الرسائل بيني وبين دانييلا. وفيها كمان ملف يثبت إن فاليريا ما وقّعتش على أي تحويل.
بصيتله وقلت
وليه جاي تسلّمها دلوقتي؟
رد بعد صمت
لأن دانييلا كانت ناوية تخليني أتحمل كل التهمة، وأنا كنت ناوي أعمل نفس الشيء معاها. بس لما اختفت عني كل وسائل الحماية، فهمت إن مفيش حد فينا هيقدر يخرج من الموضوع سليم.
المحققين استلموا الأدلة، وتم القبض على حسام رسميًا.
ومع تحليل المستندات وفحص الحسابات، اتضح إن الأدلة ضد فاليريا كانت ملفقة، وإن جزءًا كبيرًا من التحويلات مرّ عبر شركات وهمية مرتبطة بحسام ودانييلا.
لكن أهم مستند في الملف كله كان عقدًا قديمًا، عليه تاريخ سابق لطلاقنا بشهرين.
العقد كان بيكشف إن دانييلا حاولت نقل ملكية حصة من أسهم الشركة إلى شركة وسيطة من غير علمي، مستخدمة توقيعًا مزورًا منسوبًا لفاليريا.
لو العقد ده كان عدى من غير ما نكتشفه، كان ممكن أخسر جزءًا كبيرًا من الشركة، وفاليريا كانت هتتحمل المسؤولية كاملة.
المرة دي، ما سبتش الموضوع عند حدود استرداد الفلوس.
قدمت كل الأدلة للجهات المختصة، وطلبت مراجعة مستقلة لكل المعاملات المالية اللي تمت في الفترة دي.
وبعد تحقيقات طويلة وإجراءات قانونية، صدر الحكم في قضية التلاعب والاختلاس والتزوير وفقًا للأدلة اللي ثبتت في المحكمة.
دانييلا وحسام اتحاسبوا على الجرائم اللي ثبتت ضدهم، واترد جزء كبير من الأموال، بينما استمرت إجراءات استرداد باقي المبالغ من الحسابات المرتبطة بالقضية.
أما اسم فاليريا، فاتبرّأ رسميًا من الاتهامات اللي اتلفقت لها، واتثبت إنها ما كانتش مشاركة في أي تحويلات غير قانونية.
لما استلمت نسخة من القرار، حسيت براحة غريبة.
مش لأن ده هيصلح اللي حصل.
لكن على الأقل، بعد خمس سنين من الظلم، الحقيقة أخيرًا ظهرت.
5. المرة الأولى اللي سمعت فيها كلمة بابا
بعد انتهاء الجزء الأكبر من القضية، بدأت علاقتي بالولاد تتغير بالتدريج.
كنت بروح معاهم الحديقة، وأجيب لهم كتب وألعاب بسيطة، وأسمع حكاياتهم عن المدرسة.
ما كنتش بحاول أشتري حبهم بالهدايا، ولا أستخدم فلوسي عشان أقرب منهم.
كنت بحاول أكون موجودًا، وبس.
فاليريا كانت بتراقبني بحذر، وده كان حقها.
وفي يوم، وأنا راجع معاهم من الحديقة، الولد اللي كان حاضن الدبدوب وقف قدامي وسألني
هو إنت هتمشي وتختفي زي ما الناس بتعمل؟
السؤال وجعني.
نزلت على ركبتي قدامه، وقلتله
أنا مش هقدر أوعدك إن كل حاجة هتبقى سهلة، لكن أقدر أوعدك إني مش هكدب عليك. ولو حصل أي تغيير، هتكلم معاك ومش هسيبك محتار.
بصلي فترة، وبعدين مد إيده الصغيرة ومسك صباعي.
أما أخوه، فكان ماشي جنب فاليريا، لكنه رجع خطوتين وقال
طب ممكن تيجي تحضر حفلة المدرسة بتاعتنا؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي من وقت طويل.
طبعًا. لو ماما وافقت.
بص لفاليريا.
هي ما ابتسمتش، لكنها هزت راسها موافقة.
كانت دي أول مرة أحس إن في باب صغير بيتفتح قدامي.
مش باب الرجوع لجوازة قديمة، لكن باب إني أكون أبًا للطفلين اللي اتحرمت منهم بسبب غلطي.
بعد فترة، بدأت أشوفهم بشكل منتظم، واتفقنا أنا وفاليريا، بمساعدة محامينا، على ترتيب واضح يضمن مصلحة الولاد واستقرارهم.
وفي يوم حفلة المدرسة، كنت واقف في آخر القاعة، متوتر أكتر من أي اجتماع شغل دخلته في حياتي.
لما الولدين طلعوا على المسرح، كانوا بيدوروا بعينيهم وسط الناس.
أول ما شافوني، واحد منهم ابتسم ولوّحلي.
والتاني رفع حاجبه الشمال بنفس حركتي القديمة، وبعدين ضحك.
ما قدرتش أمنع دموعي.
بعد الحفلة، جريوا ناحيتي.
واحد منهم مسك إيدي وقال
بابا، إنت شفتني وأنا بغني؟
تجمدت مكاني.
بصيت لفاليريا، اللي كانت واقفة بعيد شوية.
هي كمان كانت بتعيط، لكنها ما حاولتش تخبي دموعها.
نزلت لمستوى الولد، .
شفتك يا حبيبي. وكنت أحسن واحد في الدنيا كلها.
أخوه من الناحية التانية وقال
وأنا كمان يا بابا!
في اللحظة دي، فهمت إن في حاجات الفلوس ما تقدرش ترجعها، لكن الصبر والصدق ممكن يفتحوا لها طريقًا جديدًا.
ومع ذلك، كنت عارف إن رجوع الولاد لحياتي مش معناه إن فاليريا لازم ترجعلي.
هي كانت إنسانة مستقلة، بنت حياتها بإيديها، وما كانش من حقي أعتبر وجود الولاد فرصة أفرض بيها نفسي عليها.
6. العرض اللي رفضته فاليريا… والقرار اللي ما كنتش متوقعه
بعد شهور من انتهاء التحقيقات الأساسية، طلبت من فاليريا تقابلني في مكتب المحامي.
كنت مجهز أوراقًا تثبت تنازلي عن أي مطالبات مالية ضدها، وكمان عرضًا يمنحها حصة من الأرباح المرتبطة بالمشروع اللي كانت شريكة في تأسيسه قبل الطلاق، بعد مراجعة قانونية كاملة لحقوق الطرفين.
قلت لها
أنا عارف إن الفلوس مش هتعوضك عن اللي حصل، لكن مش هقبل إنك تكوني اتظلمتي في شغلك وحقوقك بسبب أكاذيبي وقراراتي.
بصت للأوراق، لكنها ما مدتش إيدها ناحيتها.
أنا مش محتاجة منك فلوس يا رودريجو.
أنا عارف. وده مش تمن عشان تسامحيني. دي حقوق لازم تتراجع وتترد لو ثبت إنها من حقك.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أنا عايزة أراجع الأوراق مع محاميّ الأول. مش هقبل أي حاجة لمجرد إنك حاسس بالذنب.
ابتسمت بحزن.
وده حقك.
خرجت من الاجتماع، وأنا فاهم إن فاليريا ما بقتش الست اللي كنت أعرفها من خمس سنين.
ما بقتش مستنية مني أقرر لها تعيش إزاي، ولا مستنية اعتذاري عشان تقدر تكمل حياتها.
وبعد أسابيع، وافقت على تسوية حقوقها المالية بعد مراجعة قانونية، واحتفظت باستقلالها وشغلها الخاص.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد شهرين.
كنت رايح المركز المجتمعي عشان آخد الولاد في نزهة، ولقيت فاليريا مستنياني في الحديقة.
قالت
عندي كلام عايزة أقولهولك.
قلبي دق أسرع، لكني ما استبقتش الأحداث.
قعدنا على مقعد بعيد عن الأطفال، وبدأت تتكلم.
أنا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *