رجعت بعد خمس سنين
الجزء الأول رجعت بعد خمس سنين ومعاها طفلين شبه أبوهم بشكل يخوّف!
من خمس سنين، طلّقت مراتي واتجوزت سكرتيرتي، وأنا مقتنع إن مراتي خانتني وباعتني. لكن يوم ما ظهرت قدامي في الفندق اللي بملكه، ومعاها ولدين توأم عندهم خمس سنين وشبه بعض، اكتشفت إن كل واحد فيهم نسخة طبق الأصل مني وأنا صغير، حسيت إن الدنيا بتلف بيا!
مراتي الحالية صرخت في وشي وقالت
الولاد دول مستحيل يكونوا ولادك يا رودريجو! الست دي خانتك من خمس سنين، وراجعة دلوقتي عشان تستغلك وتاخد فلوسك!
أنا ما رديتش عليها. كل اللي عملته إني مدّيت إيدي وخدت الظرف اللي كانت طليقتي جايباه معاها، وفتحته…
ولما عيني وقعت على الإمضا اللي جواه، حسيت إن الدم اتجمّد في عروقي، لأني كنت متأكد إني عمري ما مضيت الإمضا دي!
الحكاية
الولاد دول مش ممكن يكونوا ولادك يا رودريجو! الست دي خانتك من خمس سنين! صرخت دانييلا قبل حتى ما أقدر أسأل سؤال واحد.
بس أنا ما كنتش سامعها أصلًا.
كنت واقف مكاني، باصص للطفلين اللي دخلوا بهو الفندق الفخم اللي بملكه، ومش قادر أصدّق عيني.
كانوا توأم، شبه بعض بشكل غريب، لكن اللي خلاني أحس إن قلبي هيقف مش شبههم من بعض…
كان شبههم مني أنا!
نفس العيون السودا، ونفس الغمازة اللي في دقني، وحتى نفس الحركة اللي بعملها لما أشك في حد؛ كانوا بيرفعوا حاجبهم الشمال بنفس الطريقة بالظبط.
واحد منهم كان لابس بلوفر كحلي، والتاني كان حاضن دب لعبة قديم، عينه اليمين زرار، والتانية متخيطة بخيط أسود.
فضلت باصص لهم وأنا حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
ووراهم كانت واقفة فاليريا.
طليقتي.
الست اللي طردتها من حياتي من خمس سنين، واتهمتها بالخيانة، وصدّقت إنها باعت أسرار شركتنا للناس اللي كانوا بينافسونا.
كان يوم التلات، والساعة لسه بدري، وبهو الفندق في قلب القاهرة كان زحمة برجال أعمال وسياح وموظفين رايحين جايين. كنت ماشي جنب دانييلا، سكرتيرتي السابقة والست اللي بقت شريكتي في حياتي بعد طلاقي، وبراجع معاها آخر ترتيبات اجتماع مهم.
لحد ما شفت الولدين.
وقتها نسيت الاجتماع، ونسيت الناس اللي حواليا، وحتى نسيت إن دانييلا واقفة جنبي.
كل اللي قدرت أنطقه كان اسم واحد
فاليريا…
رفعت عينيها وبصتلي.
كانت لابسة فستان بسيط منقوش بورود صغيرة، وفوقه كارديجان فاتح، وشايلة شنطة باين عليها إنها بقالها سنين معاها. مكنش فيها أي حاجة غالية، لا دهب ولا لبس ماركات، ولا أي علامة من العلامات اللي كنت متعود أشوفها عليها زمان.
كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي عرفتها.
أو يمكن كانت هي هي، بس أنا اللي ما كنتش شايفها صح.
بصتلي بهدوء وقالت
إزيك يا رودريجو.
واحد من الولدين استخبى ورا رجليها، وشد في فستانها وهو بيبصلي بقلق.
ماما، هو الراجل ده بيبصلنا كده ليه؟
فاليريا نزلت لمستوى عينيه، ومسحت على شعره بحنان.
عشان يا حبيبي، هو ميعرفناش.
الكلمتين دول وجعوني أكتر من أي شتيمة ممكن أسمعها منها.
أنا اللي كنت جوزها في يوم من الأيام. أنا اللي كنت بقولها إننا هنفضل سوا مهما حصل. ودلوقتي بقيت بالنسبالها مجرد راجل غريب، وولادي… لو كانوا فعلًا ولادي… حتى هما مش عارفيني!
قربت منها خطوة، وقلبي بيدق بعنف.
فاليريا، عندهم كام سنة؟
ردت من غير ما تتردد
خمس سنين. كملوا خمس سنين في أبريل اللي فات.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بدأت أحسب في دماغي بسرعة.
إحنا اتطلقنا في يوليو من خمس سنين.
يعني وقت ما كنا لسه متجوزين، كانت ممكن تكون حامل!
افتكرت اليوم اللي حياتي كلها اتقلبت فيه.
كنت قاعد في مكتبي، ودانييلا دخلت عليّا ومعاها صور لفاليريا وهي قاعدة في مطعم مع راجل غريب. وبعدها وريّتني إيميلات قالت إنها دليل على إن مراتي بتسرّب معلومات سرية من الشركة لمنافسينا.
وقتها حسيت إن حد ضربني على دماغي.
فاليريا كانت شريكتي في الشركة من أول يوم، واشتغلنا سوا لحد ما قدرنا نكبر شغلنا ونبني اسم لينا في السوق.
كنت فاكر إني أعرفها أكتر من أي حد.
لكن بدل ما أواجهها بهدوء وأدور ورا الحقيقة، خليت غضبي يعميني.
فاكر كويس اليوم اللي وقفت فيه قدامي وهي بتعيط، وبتحاول تقنعني إني بظلمها.
قالتلي وقتها
رودريجو، أرجوك، اتأكد بنفسك! كل اللي اتقالك ده كدب. أنا عمري ما خنتك، ولا عمري خنت ثقتك فيا.
لكن أنا ما سمعتش.
ما حققتش، وما اديتهاش حتى فرصة تدافع عن نفسها.
وقّعت على ورق الطلاق، شلتها من الشركة، وقفلت الباب في وشها، وبعد شهور قليلة بدأت علاقتي بدانييلا.
كنت فاكر إني أخيرًا خلصت من واحدة خانتني.
ودلوقتي، بعد خمس سنين، اكتشفت إن احتمال كبير أكون أنا اللي ضيّعت كل حاجة بإيدي.
بصيت للولدين تاني، وبعدين رفعت عيني لفاليريا.
صوتي خرج متقطع وأنا بسألها
فاليريا… الولاد دول… ولادي أنا؟
بصتلي فترة طويلة من غير ما ترد.
كان في عينيها وجع قديم، وجع واضح إنه ما اختفاش رغم مرور السنين.
وبعدين قالت بهدوء
إنت فقدت حقك إنك تسألني السؤال ده من اليوم اللي قررت فيه تصدّق كلام حد تاني من غير حتى ما تسمعني.
ما عرفتش أرد.
لأني كنت عارف إنها عندها حق.
لكن دانييلا ما قدرتش تستحمل الصمت، فاتحركت ووقفت بيني وبين فاليريا.
رودريجو، إنت مش شايف اللي بيحصل؟! دي جايبة طفلين شبهك عشان تضحك عليك وتاخد فلوسك! خمس سنين كاملة ما سألتش عليك، وفجأة افتكرتك دلوقتي؟! دي خطة واضحة!
فاليريا بصتلها وضحكت ضحكة قصيرة، مافيهاش أي فرحة.
خطة؟ إنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الخطط يا دانييلا.
وش دانييلا اتغيّر للحظة، لكنها حاولت تخبي ارتباكها.
إنتِ بتلمّحي لإيه؟
فاليريا ما ردتش على سؤالها.
بدل كده، مسكت إيد الولد اللي كان حاضن الدبدوب، وقربته منها، وبعدين بصتلي مباشرة وقالت
متقلقش يا رودريجو. أنا مش جاية أطلب منك فلوس، ولا جاية أرجع لحياتك، ولا حتى عايزة منك تعترف بالولاد.
سألتها وأنا مش فاهم حاجة
أمال إنتِ جاية ليه؟
رفعت إيدها ووجّهت صباعها ناحية دانييلا.
أنا جاية عشانها هي.
دانييلا رجعت خطوة لورا، وكأن الأرض اتحركت من تحت رجليها.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت فاليريا الفندق، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
مدّت فاليريا إيدها جوه شنطتها القديمة، وطلعت ظرف أصفر باين عليه أثر السنين، وحطّته قدامي.
فاكر الظرف ده يا رودريجو؟
بصيت عليه باستغراب.
لأ.
المفروض تكون فاكره. أنا بعتهولك بعد طلاقنا بأسبوعين، على عنوان شركتك، بالبريد المسجل. كنت متأكدة إنك لما تقراه هتعرف الحقيقة كلها.
مسكت الظرف، ولقيت اسمي مكتوب عليه بخط إيدها.
لكن اللي لفت نظري أكتر كان ختم أحمر على الوش مكتوب فيه
رُفض الاستلام من قِبل المرسل إليه.
فضلت أبص للكلام، وأنا مش قادر أستوعب.
أنا عمري ما رفضت استلام أي جواب منك!
فاليريا هزّت راسها وقالت
أنا عارفة.
فتحت الظرف بإيدين بيترعشوا، وسحبت الورقة اللي جواه.
لكن قبل ما أقدر أقرا محتواها، عيني وقعت على الإمضا الموجودة في آخر إشعار رفض الاستلام.
كانت إمضا بتشبه إمضتي بشكل يخوّف.
نفس شكل الحروف، ونفس الميل، ونفس الخط الطويل في آخر الاسم.
لكن كان في تفصيلة صغيرة محدش غيري ممكن يلاحظها.
الإمضا كانت مكتوبة بحبر أخضر.
وأنا عمري ما استخدمت قلم بالحبر الأخضر في إمضاتي الرسمية.
لكن فجأة، افتكرت حاجة خلت قلبي يدق أسرع.
من خمس سنين، كان على مكتبي قلم أخضر غالي، هدية من دانييلا بمناسبة عيد ميلادي.
هي الوحيدة اللي كانت بتستخدمه.
رفعت راسي ببطء، وبصيت ناحيتها.
كانت واقفة مكاني، وشها شاحب، وشفايفها بتترعش، وعينيها متعلقة بالورقة اللي في إيدي.
حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها طلعت مشوّهة.
رودريجو، إنت مش هتصدق أي حاجة الست دي بتقولها، صح؟ دي بتحاول تنتقم منك عشان سبتها!
ما رديتش.
رجعت بصيت للإمضا مرة تانية، وبعدين رفعت عيني ليها.
دانييلا… إنتِ كنتِ عارفة إن الظرف ده موجود؟
ما جاوبتش.
وفي اللحظة دي، فاليريا اتكلمت بصوت هادي، لكنه كان مليان غضب مكبوت.
ده مش كل اللي جوا الظرف يا رودريجو. أنا احتفظت بنسخ من كل حاجة، لأن من خمس سنين كنت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي.
بصيتلها بصدمة.
نسخ من إيه؟
مدّت إيدها ناحية شنطتها، وطلعت منها ملف صغير، وحطّته فوق الترابيزة اللي جنبنا.
من الرسائل، والإيميلات، والمستندات اللي اتهمتني بسببها بالخيانة. ومن الحاجة اللي تثبت مين اللي كان بيسرق شركتك فعلًا.
دانييلا صرخت فجأة
كفاية! إنتِ مش هتدمّري حياتي بالكلام ده!
كل اللي في البهو بصّوا ناحيتنا.
أما أنا، ففضلت واقف مكاني، ماسك الظرف الأصفر بإيد، والورقة اللي عليها إمضتي المزورة بالإيد التانية.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خيانة زوجية، وإن السنين اللي قضيتها مع دانييلا ممكن تكون مبنية على كذبة واحدة كبيرة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن الورقة اللي في إيدي ما كانتش هتكشف بس مين اللي دمّر جوازي…
دي كانت هتكشف كمان إن الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد، كان بيخفي عني سرًّا لو ظهر من خمس سنين، كان ممكن يغيّر مصير الشركة كلها، ويحرمني من ولادي قبل حتى ما أعرف إنهم موجودين.
الجزء التاني والأخير خمس سنين من الكدب… والحقيقة اللي قلبت حياة رودريجو كلها!
فضلت واقف في نص بهو الفندق، ماسك الظرف الأصفر بإيدي، وببص لدانييلا اللي كانت من شوية بتزعق وبتتهم فاليريا إنها جاية عشان الفلوس.
دلوقتي، نفس الست اللي كانت دايمًا بتتكلم بثقة قدام الموظفين ورجال الأعمال، كانت واقفة قدامي مش قادرة تثبت عينيها في عيني.
أما فاليريا، فكانت واقفة جنب ولادها، هادية بشكل غريب، كأنها استنت اللحظة دي خمس سنين كاملة، ومش ناوية تضيّع ثانية واحدة منها.
قلت لدانييلا بصوت حاولت أخليه ثابت
أنا عايز أفهم حاجة واحدة. الإمضا دي اتعملت إزاي، وليه الظرف ده اترفض باسمي وأنا ما شفتوش أصلًا؟
ردت بسرعة
معرفش! ممكن تكون فاليريا نفسها اللي زوّرت الإمضا! إنت هتصدقها وتكدبني أنا بعد كل السنين دي؟
فاليريا ما اتحركتش، لكنها طلعت ورقة تانية من الملف وحطّتها قدامي.
بص على التاريخ الأول يا رودريجو.
بصيت للورقة.
كان تاريخ رفض استلام الظرف هو يوم 18 أغسطس، من خمس سنين.
افتكرت اليوم ده كويس.
كنت مسافر وقتها إسكندرية عشان اجتماع مهم، ودانييلا هي اللي كانت ماسكة إدارة المكتب في غيابي، ومعاها صلاحية استلام المراسلات.
رفعت عيني ناحيتها.
إنتِ اللي كنتِ مسؤولة عن البريد يومها.
قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها
أيوه، بس ده مش معناه إني عملت حاجة!
طب مين اللي استلم الظرف ورفضه؟
معرفش يا رودريجو!
في اللحظة دي، فاليريا قالت جملة خلتني أحس إن في حاجة أخطر لسه مستخبية.
لأن الظرف ده ما كانش فيه بس كلام عن الحمل يا رودريجو. كان فيه دليل على