الجرسونه

اللي حدد موعد وجود نِكولا في الكافيه، وهو اللي بلغ ياسين بتحركات ماركو، وهو اللي اختار توقيت الهجوم عشان يضمن إن نِكولا وصوفيا يبقوا في نفس المكان.
لكن فؤاد ماكانش هو العقل المدبر.
كان مجرد آخر قطعة في شبكة ياسين.
وبعد القبض عليه، اكتشفت الشرطة إن فيه أشخاصًا تانيين كانوا بيحاولوا يهربوا من البلد ومعاهم مستندات وأموال.
بدأت حملة تحقيقات واسعة، واتجمدت حسابات شركات مرتبطة بالشبكة، واتقبض على عدد من المتورطين، بينما خضع آخرون للتحقيق بناءً على الأدلة.
أما ياسين، فواجه اتهامات متعددة شملت القتل والتخطيط لعمليات مسلحة وتهريب السلاح وغسل الأموال وتزوير المستندات.
ولأول مرة من سنين، بقى مضطرًا يواجه الحقيقة من غير رجال يحمونه.
لكن قبل ما يتحول للمحاكمة، طلب مقابلة صوفيا.
رفضت في البداية.
ثم وافقت، بشرط وجود المحققين.
دخلت غرفة الزيارة، وقعدت قدامه.
ياسين كان مكبل اليدين، لكن ابتسامته القديمة لسه موجودة.
قال
كنتِ دايمًا أذكى واحدة في الفريق. عشان كده ماكنتش عايز أقتلك.
صوفيا ردت
كنت عايز تستخدمّني.
كنت عايز المفتاح.
لأ. إنت كنت عايز تفضل فاكر إنك أذكى من كل الناس.
ابتسامته اختفت.
صوفيا مالت لقدام.
تعرف إيه أكتر حاجة دمرتك يا ياسين؟
إيه؟
إنك افتكرت إن الخيانة بتخلي الناس أقوى. لكنها خلتك طول الوقت محتاج حد يخاف منك، وحد يشتغل عندك، وحد يصدق أكاذيبك. وفي الآخر، لما وقعت، محدش فيهم كان مستعد يموت عشانك.
ياسين بص لها بكره.
إنتِ فاكرة إنك انتصرتي؟
لأ. أنا بس رجعت حق الناس اللي إنت حرمتهم منه.
قامت من مكانها.
وقبل ما تخرج، سمعته بيقول
الحكاية دي مش هتنتهي هنا.
وقفت عند الباب، وبصت له للمرة الأخيرة.
بالنسبة لك، هي انتهت من اللحظة اللي فقدت فيها القدرة على التحكم في الحقيقة.
وخرجت.
بعد شهور من التحقيق والمحاكمة، صدرت أحكام قضائية على ياسين وعدد من المتورطين، بينما حوسب باقي الأشخاص كلٌّ بحسب دوره والأدلة المقدمة ضده.
أما ماركو، فواجه اتهامات تتعلق بتسريب المعلومات في الماضي، لكنه تعاون مع التحقيقات وقدم اعترافًا كاملًا، وترك للقضاء تحديد مسؤوليته عن أفعاله.
نِكولا ماقدرش يسامحه بسهولة.
لكن للمرة الأولى، ماعادش فيه أسرار بين الأخوين.
الفصل الثامن نِكولا يكتشف إن الجرسونة كانت شايفة فيه حاجة هو نفسه ماكانش شايفها
بعد مرور تلات شهور، كافيه لونا اتفتح من جديد.
الإزاز اتغير، والحيطان ادهنت، والترابيزات الجديدة كانت شبه القديمة، لكن نِكولا قرر يحتفظ بترابيزة واحدة بس من المكان القديم.
الترابيزة اللي كان مستخبي وراها يوم الهجوم.
مش عشان يفتكر الرصاص.
لكن عشان يفتكر اليوم اللي اكتشف فيه إنه كان أعمى.
صوفيا كانت واقفة عند الكاونتر، بتراجع حسابات الطلبات.
نِكولا دخل، شافها، وقال
صباح الخير.
رفعت عينيها.
صباح النور.
قعد على كرسيه المعتاد.
قهوة إسبريسو، لو سمحتي.
صوفيا رفعت حاجبها.
تحبها ساقعة ولا سخنة يا أستاذ بندي؟
نِكولا ضحك.
سخنة. والمرة دي، لو وقعت منك، مش هزعقلك.
صوفيا ابتسمت.
متشكرة على كرم أخلاقك.
راحت حضرت القهوة بنفسها، وحطتها قدامه.
الفنجان كان مضبوطًا.
لا نقطة واحدة وقعت على الطبق.
نِكولا داقها، وبعدين قال
ممتازة.
صوفيا ردت
أهو، طلع عندي مواهب مستخبية.
سكت شوية، وبعدين قال
فكرتي هتعملي إيه دلوقتي؟
هسافر كام يوم، أزور ناس كنت فاكرة إني مش هشوفهم تاني. وبعدها هشوف هعمل إيه.
يعني مش هترجعي للشغل هنا؟
صوفيا بصت له بابتسامة خفيفة.
بصراحة، أنا اكتفيت من القهوة اللي بتتقلب، والزبائن اللي بيزعقوا، والرجالة اللي فاكرين إن العالم كله لازم يمشي على مزاجهم.
نِكولا نزل عينيه.
أنا كنت واحد منهم.
كنت، قالت بهدوء.
رفع عينيه بسرعة.
يعني فيه أمل إني أتغير؟
التغيير مش إنك تقول إنك اتغيرت. التغيير إن الناس تلاحظ ده من غير ما تضطر تتكلم.
نِكولا هز راسه.
كان لأول مرة يسمع كلامًا قاسيًا من غير ما يحاول يرد عليه أو يفرض رأيه.
وبعد لحظة، طلع ظرفًا من جيبه وحطه قدامها.
صوفيا بصت له باستغراب.
إيه ده؟
مستحقاتك عن الشهور اللي اشتغلتيها هنا، ومكافأة إضافية مقابل إنك أنقذتي حياتي وحياة ناس كتير.
صوفيا فتحت الظرف، وبصت للمبلغ، ثم قفلته ورجعته له.
المرتب بتاعي أخده. أما الباقي، فخلّيه للناس اللي اتضررت من الهجوم.
نِكولا قال
ده حقك.
وأنا بقولك مش عايزاه.
ليه؟
صوفيا بصت ناحية الباب الزجاجي الجديد.
لأنك لأول مرة بتعرض حاجة من غير ما تكون مستني مقابل.
نِكولا ماجادلهاش.
أخد الظرف، وقال
هعمل اللي قلتي عليه.
وبعد أسبوع، أعلن عن إنشاء صندوق لتعويض أسر الضحايا والمصابين، بتمويل قانوني ومراجعة مستقلة لحساباته. كما بدأ يفصل أعماله التجارية عن أي تعاملات مشبوهة، وسلّم السجلات المطلوبة للجهات المختصة.
ماكانش التحول سهلًا، ولا حصل في يوم وليلة.
بعض شركائه سابوه، وبعض رجال عيلته اعترضوا على قراراته، لكنه أصر على إن الأعمال اللي هيفضل محتفظ بيها لازم تبقى قانونية وواضحة.
أما ماركو، فكان بيواجه نتيجة اختياراته، وبيحاول يصلح الضرر اللي ساهم في حدوثه.
العلاقة بينه وبين نِكولا ما رجعتش زي الأول بسرعة، لكنها بدأت تتبني من جديد على الصراحة بدل الخوف.
وصوفيا؟
كانت أخيرًا بتتعلم تعيش من غير ما تبص ورا كتفها كل خمس دقايق.
لكن قبل سفرها بيوم، وصلها ظرف صغير على باب شقتها.
جواه صورة قديمة لفريقها.
الناس الأربعة اللي ظهروا في الصورة الأولى.
وعلى ظهرها، كانت فيه رسالة بخط إيد زميلها الراحل ياسين… رسالة اتكتبت قبل خيانته بفترة، واكتشفوا إنها كانت محفوظة ضمن أرشيف القضية.
لو حصل لنا أي حاجة، افتكروا إن المهمة أهم من أي اسم، وأهم من أي شخص. الحقيقة لازم تعيش حتى لو إحنا مش هنعيش.
صوفيا فضلت باصة للصورة وقت طويل.
وبعدين حطتها في حقيبتها.
ماكانش كل اللي فقدتهم رجعوا.
ولا كل جرح اختفى.
لكن لأول مرة، ماحستش إنها مطالبة بالهرب من ماضيها.
كانت مستعدة تواجهه.
الفصل التاسع بعد سنة… المفاجأة اللي محدش كان متوقعها
عدت سنة كاملة.
كافيه لونا بقى من أشهر الأماكن في المنطقة، لكن مش بسبب اسم نِكولا أو علاقاته.
بقى معروفًا لأنه المكان اللي اتأسس فيه صندوق دعم أسر ضحايا الجرائم المسلحة، واللي ساعد عشرات العائلات تبدأ من جديد.
نِكولا نفسه اتغير.
ما بقاش بيزعق للموظفين، ولا بيتعامل مع الناس على إنهم أقل منه. بدأ يتعلم يسمع قبل ما يحكم، وبقى فاهم إن القوة مش إن الكل يخاف منك، لكن إن الناس تقدر تثق فيك من غير ما تضطر تخاف.
أما صوفيا، فكانت رجعت لفترة قصيرة للعمل مع فريق أمني متخصص في كشف شبكات التهريب، لكن المرة دي تحت إجراءات قانونية واضحة، ومن غير ما تضطر تخفي هويتها أو تعيش بشخصية مزيفة.
وفي مساء يوم خميس، الساعة تلاتة وعشرين دقيقة بالظبط، دخلت كافيه لونا.
نِكولا كان واقف عند الكاونتر.
أول ما شافها، ابتسم.
كنت عارف إنك هتيجي النهارده.
صوفيا رفعت حاجبها.
عرفت منين؟
عشان النهارده ذكرى اليوم اللي دخل فيه ثمانية مسلحين الكافيه، وخرجوا منه من غير ما يحققوا اللي جايين عشانه.
صوفيا ضحكت.
لسه بتعدّهم؟
لأ. أنا بقيت بعدّ الأيام اللي ماحدش فيها بيحاول يقتلني.
قعدت على الترابيزة القديمة.
نِكولا جه بنفسه وحط قدامها فنجان قهوة.
صوفيا بصت له.
إنت اللي عملت القهوة؟
أيوه.
داقتها، وبعدين كتمت ضحكتها.
يا نهار أبيض! دي أسوأ من القهوة اللي كنت بعملها زمان!
نِكولا حط إيده على صدره بتمثيل.
بعد كل اللي عملته عشانك، ده جزائي؟
ضحكوا الاتنين.
لكن بعد شوية، نِكولا بقى جاد.
فيه حاجة عايز أسألك عنها من يوم ما رجعتي.
اسأل.
ليه اخترتي تفضلي هنا ست شهور، رغم إنك كنتِ عارفة إن المكان ممكن يكون خطر؟
صوفيا فضلت ساكتة لحظة.
وبعدين قالت
لأنني كنت محتاجة أعرف إذا كان كل اللي اتقال عن عيلتك حقيقي. كنت فاكرة إن كل اللي بيشتغلوا في عالمك فاسدين، وإن مافيش حد ممكن يخرج منه من غير ما يبقى زيه.
ولقيتي إيه؟
بصت له مباشرة.
لقيت شخصًا كان بيظن إن السيطرة على الناس هي نفس القوة. لكنه لما فقد السيطرة، اكتشف إنه يقدر يختار يبقى شخصًا مختلفًا.
نِكولا ابتسم ابتسامة هادية.
وأنا لقيت إيه؟
إنت؟ لقيت إن الجرسونة اللي كنت بتزعقلها كانت قادرة تنقذك، وإنك كنت محتاج تتعلم تسمع الناس بدل ما تحكم عليهم.
نِكولا هز راسه.
تستاهلي إني أعتذرلك عن كل مرة أحرجتك فيها.
صوفيا ردت
اعتذارك مقبول. بس بشرط.
إيه هو؟
المرة الجاية اللي تطلب فيها قهوة، تقول لو سمحت.
نِكولا ضحك.
لو سمحتِ، ممكن تعمليلي قهوة؟
صوفيا قامت من مكانها، ومثلت إنها هتروح للكاونتر.
وبعدين رجعت له بفنجان جديد.
اتفضل يا فندم.
داقها.
المرة دي كانت ممتازة.
رفع عينيه لها.
إنتِ اللي عملتيها؟
صوفيا ابتسمت.
لأ. أنا طلبتها من الجرسون الجديد.
نِكولا انفجر في الضحك.
لكن قبل ما تخرج، وقفت صوفيا عند الباب، وبصت له للمرة الأخيرة.
نِكولا؟
أيوه؟
المرة اللي فاتت، إنت كنت فاكر إنك صاحب المكان، وإن كل اللي فيه لازم يسمع كلامك.
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي بقيت فاهم إن المكان مش بيتقاس بمين بيملكه، لكن بمين بيقدر يخرج منه وهو حاسس إنه كان في أمان.
خرجت من الكافيه، والباب اتقفل وراها بهدوء.
نِكولا فضل باصص من الإزاز لحد ما اختفت وسط الناس.
كان عارف إنه مش هيقدر يمحي الماضي، ولا يرجع اللي ماتوا.
لكن كان يقدر يمنع الماضي من إنه يتحكم في مستقبله.
وفي الليلة دي، وهو بيقفل الكافيه، بص على الترابيزة القديمة اللي استخبا وراها يوم الهجوم.
افتكر الرصاص، والدم، واللحظة اللي اكتشف فيها إن البنت اللي كان بيعتبرها أضعف شخص في المكان كانت الوحيدة القادرة على إنقاذه.
وبعدين ابتسم.
لأنه فهم أخيرًا الدرس اللي ماكانش محتاج يتعلمه بالطريقة دي
أخطر شخص في المكان مش دايمًا اللي ماسك السلاح، وأضعف شخص مش دايمًا اللي بينزل عينيه في الأرض.
أحيانًا، الشخص اللي بتستهين بيه هو الوحيد اللي شايف الحقيقة كاملة.
وأحيانًا، الشخص اللي بيعتذرلك كل يوم، بيكون بيخبي جواه قوة أكبر من كل اللي بتملكه.
أما صوفيا، فكانت أخيرًا رجعت تعيش باسمها الحقيقي، من غير ما تهرب، ومن غير ما تخاف من صوت عربية بتقف قدام الشباك.
قضية ياسين اتقفلت بالأحكام، وشبكته اتفككت، وماركو واجه مسؤوليته، ونِكولا اختار طريقًا مختلفًا عن الطريق اللي ورثه.
وهكذا انتهت الحكاية، مش بانتصار شخص واحد، لكن بسقوط شبكة كاملة، ونجاة ناس أبرياء، وبداية حياة جديدة لست كانت مضطرة تخبي قوتها عشان تقدر توصل للحقيقة.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *