ايناس ج٢ انجي الخطيب
الصمت اللي خيّم على الصالة كان أتقل من الحديد، والرجالة التلاتة اللي كانوا واقفين ورا زعيمهم بدأوا يبصوا لبعض بنظرات ارتباك، الهيبة اللي دخلوا بيها البيت اتكسرت مع أول حركة جريئة من إيناس. عاصم استغل اللحظة، ضغط على كتف الزعيم اللي كان بيحاول يجمع أنفاسه بعد ضربة عاصم، وقال بصوت حاد قاطع زي السكينة: “اختياركم دلوقت بقى ضيق جداً.. يا إما تخرجوا دلوقتي وتعتبروا إنكم ماشوفتونيش، وأنا هسلم الورق ده لجهات أمنية معينة مش هتعرفوا تغلغلوا فيها، يا إما نعلن الحرب، وأنا هنا في بيتي، ومعايا قض/ية هتخلي رؤوس كبار في البلد دي تقع، ومعاكم أنتم شخصياً أولهم.”
الزعيم مسح الدم من بقه، وبص لإيناس اللي كانت بتدري الظرف بكل قوتها، عيونه كانت بتلمع بشراسة حيوان محبوس، بس كان عارف إن الورق ده لو وصل لأي قسم بوليس، أو حتى اتسرب للصحافة، نهايتهم هتكون أقسى بكتير من رصاصة في الضلمة. “أنت فاكر إن الورق ده هيحميك؟” همس الزعيم بصوت مخنوق. “إحنا لينا أذرع في كل مكان.” عاصم ضحك ضحكة قصيرة وسخرية: “ما هو ده اللي مكتوب في الورق، أسماء الأذرع دي.. أنا مش بس محامي، أنا اللي بقالي سنين بجمع ملفات عنكم، والصدفة بس هي اللي جابتلي شاهدة العيان اللي ناقصة. اتحركوا.. برا!”
بصوا لبعض، وبعدين واحد من الحراس أشار للزعيم بالانسحاب. تراجعوا ببطء، وعيونهم لسه بتوعد بشر، لحد ما خرجوا وركبوا العربيات وطاروا في طريق الصحراوي، سابوا وراهم تراب ودخان، وصوت صريخ الموتور اللي بيختفي تدريجياً.
عاصم وقع على أقرب كرسي، أنفاسه كانت طالعة بصعوبة، وإيناس لسه واقفة في نص الصالة زي التمثال، الورق في إيدها، وعيونها مذهولة من اللي حصل. فاطمة طلعت من الضلمة، جريت عليها وخدتها في حضنها وهي بتعيط: “يا حبيبتي يا بنتي.. يا بطلة!”
إيناس بصت لعاصم اللي كان بيحاول يقوم، وقربت منه ببطء، مدت له الظرف اللي أطرافه بدأت تتفتت من كتر ما مسكته. “خالتي نادية.. قالتلي إن ده هيحمي الحق.” عاصم أخد منها الظرف بإيد بترتعش، فتح طرفه ببطء، لقى صور، وتواريخ، وأرقام حسابات، ووثائق ميلاد مزورة، وقائمة بأسماء ضحايا تانية غير إيناس، كلهم ضاعوا في نفس المخازن.
عاصم رفع راسه لإيناس، ملامحها بدأت تهدأ، الخوف اللي كان مرسوم على وشها بدأ يتبدل بملامح واحدة بدأت تعرف إنها بني آدمة ليها حق، وليها قض/ية. “إيناس،” قال عاصم بصوت مشروخ من التأثر، “نادية مش بس أنقذت حياتك، نادية أنقذت حياة ناس كتير، والورق ده.. هو اللي هيجيب حقها وحقك.”
في اللحظة دي، إيناس بصت للشباك، الفجر كان بدأ يشق الضلمة، أول خيط نور دخل البيت، انعكس على وشها، ولأول مرة، ابتسامة صغيرة ومرتجفة ظهرت على شفايفها. “الشمس..” همست بصوت دافي، “خالتي نادية مكنتش بتكدب.. الشمس طالعة فعلاً.”
عاصم قام، سحب تليفونه، وبدأ يطلب رقم كان شايله للزمن الصعب، رقم لواء في الداخلية معروف بنزاهته. “سيادة اللواء، أنا عاصم.. معايا ملف هيهز البلد، ومعايا شاهدة على جرائم بقالها 18 سنة.. أنا محتاج حماية، ومحتاج عدالة.”
بينما كان عاصم بيتكلم، كانت إيناس واقفة جنب الشباك، بتراقب النور وهو بيزيد، وبتلمس بأصابعها خيوط الشمس اللي دخلت لأول مرة في حياتها. الحرب لسه مخلصتش، والمشوار قدامهم طويل، بس ولأول مرة من 18 سنة، إيناس مكنتش بتجري.. كانت واقفة، ومستنية الشمس تكمل طلوعها.
…….
صوت عاصم كان واثق وهادي وهو بيكلم اللواء، بيشرح بتركيز كل اللي حصل، بيحدد مكان المخزن، وأسماء الرجالة اللي شافهم، والورق اللي في إيده اللي بيعتبر “مسمار نعش” لكل اللي شاركوا في المهزلة دي. فاطمة كانت واقفة جنبه، بتصب له كوباية مية، إيديها بتترعش من التوتر، بس عينيها فيها نظرة فخر بالراجل اللي قدامها.
إيناس، اللي كانت بتراقب الشمس، فجأة التفتت، ملامحها اتغيرت من الهدوء لنظرة وجع مفاجئ. حطت إيدها على راسها ووقعت على الركبة، صرخة مكتومة خرجت منها. عاصم قفل الموبايل بسرعة وجري عليها: “إيناس! فيه إيه؟ حاسة بإيه؟”
بصتله ودموعها بدأت تنزل، مش دموع خوف المرة دي، لكن دموع وجع جسدي وذاكرة: “نادية.. نادية قالتلي إنهم لو عرفوا إني هربت، هيأذوها هي. أنا سمعت صوت عربية تانية بتمشي من المخزن قبل ما أجيلك بشوية.. نادية كانت لسه هناك، كانت بتحاول تغطي على أثري!”
عاصم اتجمد، الحقيقة خبطت في دماغه زي الرصاصة. لو نادية فعلاً لسه هناك، أو لو هما عرفوا مكانها، يبقى هي دلوقتي في وش المدفع. “فاطمة، خليكي مع إيناس، وأوعي تفتحي الباب لأي حد مهما كان.. إيناس، الورق ده أمانة في رقبتك، لو جرالي حاجة، الورق ده يوصل للواء اللي كلمته، تمام؟”
إيناس مسكت إيده بقوة، ضوافرها غرزت في جلده: “لا يا عاصم، متمشيش.. هما هناك، هيق/تلوك!”
عاصم بص في عينيها نظرة قوية، نظرة المحامي اللي خلاص دخل المعركة ومش ناوي يخرج غير بانتصار: “أنا مش هروح لوحدي، الأمن في الطريق، بس لازم أكون هناك قبل ما يمحوا أي أثر يربطهم بالمخزن. نادية دي بطلة، ومينفعش بطلة زيكو تموت في الضلمة والناس ميعرفوش مين هي.”
عاصم أخد مفاتيح عربيته، وخرج للشارع. الفجر كان خلاص طلع، والنور كشف الطريق الصحراوي اللي كان لسه من دقايق ساحة رعب. عاصم ساق عربيته بجنون، عينه على الطريق وعينه على المراية، كان حاسس إن الأرض بتتحرك معاه.
لما قرب من المخزن، شاف دخان طالع من ورا التلال. قلبه وقع في رجله. نزل من العربية وجري، الرمل كان بيعك في كوتشيه، صوت الهواء في الصحرا كان عالي، بس صوت طلقات نار متقطعة كان بيخترق السكون. وصل ورا صخرة كبيرة، شاف الحراس اللي كانوا عنده في البيت واقفين بيحرقوا حاجات قدام باب المخزن، ونادية.. كانت مرمية على الأرض، ثابتة زي الحجر، ووشها باصص ناحية الطريق اللي إيناس هربت منه.
عاصم رفع المسدس، وقبل ما يضغط على الزناد، سمع صوت صفارات شرطة بعيد، نور أزرق وأحمر بدأ يزغلل في الأفق. الرجالة ارتبكوا، حاولوا يركبوا العربيات، بس عاصم مأدّاش فرصة. ضرب طلقة في الهواء، الزعيم التفت، وشاف عاصم واقف، مش خايف، واقف زي الجبل.
”خلصت يا ولاد الـ…” صرخ عاصم، وفي اللحظة دي، العربيات المدرعة للشرطة اقتحمت المكان.
المعركة انتهت في دقايق، الحراس وقعوا في إيد الأمن، والزعيم اتمسك وهو بيحاول يهرب بين الصخور. عاصم ساب السلاح، وجري ناحية نادية. كانت لسه بتتنفس، بس أنفاسها كانت ضعيفة جداً. عاصم شالها بين إيديه، زي ما شال إيناس بالظبط، وصرخ في الضباط: “إسعاف! بسرعة! الست دي لازم تعيش!”
نادية فتحت عينيها، شافت عاصم، ابتسمت بضعف شديد، وبصوت مش مسموع همست: “إيناس.. الشمس؟”
عاصم غمض عينيها بلطف وقال: “طلعت يا نادية.. الشمس طلعت، وإيناس بقت حرة.”
نادية غمضت عينيها، ونفسها هدي، في اللحظة اللي كانت فيها إيناس في بيت عاصم، بتبص من الشباك للسما، وبتحس لأول مرة بدفا حقيقي، مش مجرد شمس، لكن دفا الحرية اللي كانت بتدفع تمنها 18 سنة.
………
المشهد كان فوضى، عربيات الشرطة مالية المكان، والظباط بيلموا الملفات اللي كانت بتتحرق، والزعيم متكتف ووشه في الطين، مهزوم ومكسور. عاصم فضل قاعد جنب نادية في أرضية المخزن، ماسك إيدها اللي بدأت تبرد، ومستني الإسعاف اللي صوت سرينتها بدأ يقرب. نادية فتحت عينيها مرة تانية، بياض عيونها كان ذابل، وبصت لعاصم بنظرة كلها سلام، كأنها خلصت رسالة بقالها عمر بتكتبها.
”خديها عندك.. ما تسبهاش ترجع للظلمة تاني..” قالتها بصوت متقطع، وعاصم ضغط على إيدها: “دي في عيني، وعد مني يا نادية. إيناس بقت حرة، والورق اللي خبيتي فيه عمرك كله في أمان، هيتحاكموا.. كلهم هيتحاكموا.” نادية ابتسمت نص ابتسامة، وسكتت.
بعد أسبوعين، في مكتب عاصم، المكتب اللي كان شاهد على قضايا كتير، كان الجو مختلف. إيناس كانت قاعدة على الكرسي قصاد مكتبه، لابسة هدوم جديدة، شعرها اللي كان منكوش بقى مترتب، وجروح وشها بدأت تخف، بس عينيها لسه فيها “لمعة” مختلفة، لمعة واحدة شافت الجحيم ورجعت تحكي.
عاصم دخل المكتب، كان في إيده ملف كبير، حطه قدامها: “النيابة خلصت كل التحقيقات، والكل اتسجن. نادية.. نادية عملت عملية كبيرة في المستشفى والحمد لله عدت مرحلة الخطر، هي دلوقتي في مصحة تأهيل، طلبت تشوفك لما تكوني مستعدة.”
إيناس بصت للملف، وبعدين بصت لعاصم: “أنا كنت فاكرة إن العالم ده مكان ضيق، يا إما مخزن، يا إما سجن. بس النهاردة.. النهاردة لما مشيت في الشارع، حسيت إن فيه مساحة كبيرة أوي.. حسيت إن السماء مش سقف.”
عاصم قعد قدامها، وبص لها بامتنان: “إنتِ اللي علمتيني درس في القانون والعدالة مفيش كلية علمتهولي. علمتيني إن العدل مش بس ورق في ملفات، العدل هو إن إنسان يفضل متمسك بكلمة ‘شمس’ وسط الضلمة، لحد ما الشمس تطلع فعلاً.”
إيناس قامت وقفت، بصت لشباك المكتب اللي بيطل على ميدان واسع، والناس رايحة جاية، والحياة ماشية برة. حطت إيدها على الزجاج، وبصت لعاصم وقالت: “أنا عايزة أتعلم يا عاصم. عايزة أعرف أقرأ وأكتب، وعايزة أعرف إيه اللي حصل في الـ 18 سنة دول.. عايزة أعيش كل يوم فاتني.”
عاصم ابتسم، وقام وقف جنبها، وبص معاها للميدان: “هتتعلمي، وهتكتبي قصتك بإيدك، وأنا هكون جنبك في كل خطوة. النهاردة إيناس اللي كانت بتمضغ النجيلة ماتت، والنهاردة ولدت إيناس اللي هتغير قوانين الظلم.”
إيناس بصتله، ولأول مرة ضحكت، ضحكة صافية من قلبها، ضحكة خلت عاصم يحس إن كل التعب اللي شافه كان تمن بسيط مقابل اللحظة دي. خرجوا من المكتب، وهما عارفين إن الطريق لسه طويل، وإن الندوب اللي سابها الجنزير في رجل إيناس هتاخد وقت عشان تلم، بس لأول مرة.. الإيدين ما كانتش مربوطة، والخطوات كانت ماشية ناحية النور، مش هربانة منه.
حكايات انجى الخطيب