شهر من الخداع محمد نور
لمحة نيوز
كل القرايب، وكلهم هييجوا يباركوا لنا.
وقفت مكاني وبصيت لها باستغراب مصطنع
بكرة؟!
ردت بكل ثقة
أيوه، بكرة.
وإنتِ اللي هتنضفي البيت، وتطبخي، وتجهزي السفرة، وتستقبلي الضيوف.
أحمد قرب مني وحاول يتكلم بنبرة هادية
أنا عارف إنك لسه ضعيفة شوية، بس أمي لسه راجعة من بين الحياة والموت، ومينفعش نخليها تتعب نفسها.
حماتي ابتسمت ابتسامة متعالية وقالت
أنا عايزة سفرة كبيرة تليق بالعيلة.
ومش عايزة أكل جاهز من بره.
لازم كل القرايب يشوفوا إن مرات ابني ست بيت شاطرة، وبتعرف تخدم عيلتها كويس.
هزيت راسي وقلت بهدوء
متقلقوش.
سكت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة خلتهم يفتكروا إنهم كسبوا المعركة.
بكرة هتستقبلوا استقبال عمركم ما هتنسوه.
الاتنين ابتسموا برضا، ومخطرش على بالهم للحظة إن كلامي كان معناه حاجة مختلفة تمامًا عن اللي فهموه.
تاني يوم الصبح، أحمد وحماتي خرجوا بدري عشان يروحوا المحطة ويستقبلوا القرايب اللي جايين من البلد.
وفي الطريق، واحدة من عمات أحمد سألت بقلق
هي مريم هتقدر تطبخ لكل الناس دي لوحدها؟
دي لسه عاملة عملية قيصرية من شهر واحد!
أحمد رد بكل ثقة
قدامها الصبح كله، أكيد هتكون خلصت معظم الحاجات قبل ما نوصل.
عم تاني تدخل وقال
طب مش خايفين إنها تزعل منكم؟ دي أمها لسه راجعة البلد، وهي لوحدها في البيت مع طفل صغير.
حماتي انفجرت في الضحك وقالت باستهزاء
مريم؟ تزعل؟!
دي لسه فاكرة إني كنت في غيبوبة طول الشهر اللي فات!
سكتت لحظة، وبعدين كملت بفخر
أنا قلت لها تخلّي أمها ترجع البلد، وسمعت الكلام.
قلت لها تهتم بيا وتخدمني، وسمعت الكلام.
قلت لها تجهز الحفلة وتطبخ للعيلة كلها، وبرضه سمعت الكلام!
أحمد ضحك وقال
فكرة إننا نمثل حادثة وغيبوبة كانت عبقرية فعلًا.
كده وفرنا على نفسنا شهر كامل من وجع الدماغ ورعاية واحدة لسه والدة.
وفي نفس الوقت، أخدنا إجازة حلوة وسافرنا وغيّرنا جو!
اللي كانوا قاعدين في العربية سكتوا تمامًا من الصدمة.
لكن حماتي مكنتش مدركة حجم اللي بتقوله، فواصلت كلامها بغرور
أهو شهر النفاس خلص، ودلوقتي جه وقت الشغل.
ما هي دي وظيفة الزوجة في الآخر، تخدم جوزها وأهله!
اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن واحدة من بنات عم أحمد كانت سايبة موبايلها بيسجل من أول الطريق، لأنها كانت عايزة تحتفظ بتسجيل لذكريات الرحلة العائلية.
وسجلت كل كلمة قالوها.
كل اعتراف.
كل ضحكة.
وكل تفصيلة كشفت حقيقة الحادثة المزعومة والرحلة اللي قضوها سوا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت مستنياهم لما وصلوا البيت.
مكانش فيه حِلَل بتغلي على النار.
ولا سفرة مليانة أكل.
ولا زوجة مرهقة بتجري من المطبخ للصالة عشان ترضي حماتها وتخدم القرايب.
اللي كانوا هيلاقوه كان مختلف تمامًا.
أمي كانت راجعة وقاعدة في الصالة.
وجنبها المحامي بتاعي.
ومعاهم اتنين من مندوبي شركة العقارات.
وعلى شاشة التلفزيون الكبيرة، كانت الصور متعرضة بحجم ضخم، صورة ورا صورة، لحماتي وهي بتضحك وتشرب العصاير قدام البحر، وتتمشى في الشوارع السياحية، وتاكل في المطاعم، خلال الفترة اللي زعمت فيها إنها كانت عاجزة عن الحركة وفي غيبوبة!
أما أنا، فكان كل اللي جهزته هو طبق كبير من الفشار.
لأني بعد شهر كامل من الكدب والخداع، قررت أخيرًا إني أقعد مرتاحة وأتفرج.
أتفرج على وشوشهم وهي بتتغير.
وأسمعهم وهما بيحاولوا يبرروا كل كدبة قالوها.
وأشوف بنفسى هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن الست اللي افتكروها ضعيفة وسهل يضحكوا عليها، كانت مجهزة لهم استقبال عمرهم ما تخيلوه!
الجزء الثاني الحقيقة اللي قلبت حياة العيلة كلها
رن جرس الباب في الساعة تسعة الصبح بالضبط.
بصيت لأمي، فهزت راسها بهدوء، بينما الأستاذة منى منصور، المحامية اللي كانت قاعدة جنبي، رتبت الورق اللي قدامها.
فتحت الباب، ودخل أحمد ومعاه أمه الحاجة نادية، ووراهم كام واحد من قرايبنا.
أول ما الحاجة نادية شافت الناس الموجودة في الصالة، وقفت مكانها
إيه ده؟ هو في إيه؟ وإيه كل الناس دي؟
أحمد بصلي باستغراب، وبعدين عينه راحت للتلفزيون الكبير اللي كان متوصل بجهاز العرض.
قلت بهدوء
اتفضلوا اقعدوا. بما إننا كلنا موجودين، يبقى أحسن وقت نتكلم بصراحة.
الحاجة نادية حاولت تضحك وتتصرف كأن مفيش حاجة غريبة، وقالت
أنا مش فاهمة إيه المسرحية دي يا مريم. أنا لسه تعبانة، ومش ناقصة مناظر.
ردت أمي قبل ما أتكلم
الغريب إنك كنتِ تعبانة أوي طول الشهر اللي بنتي كانت فيه بتولد وتتعافى، لكن قدرتي تسافري وتلفي وتتصوري عادي جدًا.
اتغير لون وش الحاجة نادية، وبصت لأحمد كأنها مستنية منه يتدخل وينهي الكلام.
لكنه فضل ساكت.
شغلت أول صورة على الشاشة.
كانت صورة ليهم الاتنين قدام البحر، مبتسمين، وأحمد حاطط إيده على كتف أمه. بعدها ظهرت صور المطاعم والفنادق والرحلات اللي عملوها، وكلها خلال الأيام اللي كنت فيها في البيت بتعافى من القيصرية، وبحاول أتعلم إزاي أعتني بطفل حديث الولادة من غير مساعدة.
قلت وأنا ببص لأحمد
طول الوقت كنت بتقول لي إنك مضغوط في الشغل، وإنك مش قادر تسيب مسؤولياتك. وكنت مصدقاك. لكن الحقيقة إنك كنت مسافر تستمتع بوقتك، وأنا هنا مش قادرة أقوم من السرير لوحدي.
أحمد حاول يتكلم
مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…
قاطعته
أمال زي إيه؟ الصور دي متفبركة؟ ولا إنت كنت هناك بتشتغل من على الشاطئ؟
محدش ضحك.
شغلت بعد كده تسجيل صوتي كنت محتفظة بيه. كان صوت أحمد واضح وهو بيتكلم مع أمه في العربية، وبيقول لها إننا مش هنقدر نكتشف سفرهم بسهولة، وإنه هيقول لي إنها كانت تعبانة ومحتاجة راحة.
وبعدين جه صوت الحاجة نادية
ما تقلقش. مريم طيبة، وهتصدق أي حاجة نقولها لها. المهم نرجع قبل ما الموضوع يكبر.
وقفت التسجيل.
الحاجة نادية شهقت، وبعدين صرخت
إنتِ سجلتيني من غير إذني؟ ده تجسس!
الأستاذة منى اتكلمت بهدوء
إحنا مش هنا عشان نناقش طريقة وصولنا للمعلومات بس. إحنا هنا عشان نناقش التصرفات نفسها، وتأثيرها على مريم وطفلها، وحقها في إنها تعرف الحقيقة.
أحمد بص لأمه بغضب
إنتِ قلتي لي إن مفيش حاجة هتحصل!
ردت عليه بعصبية
وإنت اللي وافقت! متحاولش ترمي كل حاجة عليّا دلوقتي.
كانت دي أول مرة أسمعهم بيتخانقوا من غير ما يحاولوا يخبوا حقيقتهم قدامي.
قرايبنا بدأوا يسألوا أسئلة مباشرة. واحدة من قريبات أحمد قالت للحاجة نادية
إنتِ كنتِ عارفة إن مريم لسه خارجة من عملية، وسيبتيها لوحدها عشان تسافري؟
الحاجة نادية ردت بعناد
أنا أم، ومن حقي أرتاح وأعيش حياتي!
قلت لها
طبعًا من حقك تعيشي حياتك. لكن مش من حقك تكدبي وتستغلي تعبي، وتخليني أصدق إنك عاجزة عن الحركة، بينما إنتِ بتستمتعي بإجازتك.
أحمد نزل عينه للأرض.
سألته
كنت تعرف إن أمي بتكدب عليّا؟
سكت شوية، وبعدين قال
كنت عارف إننا مسافرين. لكن ما توقعتش إن الموضوع هيوصل لكده.
ضحكت بمرارة
يعني كنت عارف إنك هتسيب مراتك بعد الولادة وطفلك الرضيع، واخترت تسافر، لكن المشكلة عندك إن الموضوع اتكشف؟
ما عرفش يرد.
بعد المواجهة، الأستاذة منى وضحت إن وجودنا مش معناه إننا هنصدر أحكام في نفس اللحظة. لكن كان لازم من دلوقتي تتحدد المسؤوليات بوضوح، خصوصًا إن عندنا طفل محتاج رعاية منتظمة، وأم لسه بتتعافى من عملية كبيرة.
طلبت من أحمد يحدد موقفه بوضوح هل هو مستعد يتحمل مسؤولياته كأب وزوج، ولا هيفضل يتهرب كل ما