شهر من الخداع محمد نور

حصلش التغيير مرة واحدة، وما بقيناش فجأة أسرة مثالية، لكن الحدود الجديدة خلت علاقتنا أهدى.
وبعد سنوات، لما رزقنا الله بطفلتنا ليلى، كان أحمد مختلفًا تمامًا عن الرجل اللي هرب يوم ولادة يوسف. كان موجودًا في المستشفى، وبيتابع كل تفصيلة، وبيساعدني في رعاية الطفلين من غير ما أضطر أترجاه.
أما الحاجة نادية، فكانت موجودة هي كمان، لكن المرة دي استأذنت قبل ما تتدخل، وسألتني إيه اللي محتاجاه بدل ما تقرر عني.
في يوم، وهي شايلة ليلى، بصتلي وقالت
يمكن أنا اتأخرت في فهم حاجات كتير.
ما كانش اعتذارًا كاملًا، لكنه كان بداية مختلفة.
قلت لها
المهم إننا نتعلم، حتى لو متأخر.
مرت السنين، وكبر يوسف وليلى.
علاقتي بأحمد بقت أكثر هدوءًا ونضجًا. ما نسيناش اللي حصل، لكننا ما سمحناش له يتحول لجرح مفتوح يحدد كل يوم في حياتنا.
فضلنا نختلف، وأحيانًا كنا بنرجع للدكتورة سلوى لما نحس إننا بنكرر أنماط قديمة. والفرق إننا بقينا نواجه المشكلة بدل ما نهرب منها أو نستنى حد تاني يحلها.
أما الحاجة نادية، فبدأت تتغير علاقتها بالحياة نفسها. بطلت تعتبر إن كل رفض لطلباتها إهانة، وبدأت تبني لنفسها اهتمامات وعلاقات بعيدًا عن السيطرة على ابنها.
وفي إحدى الزيارات، قالت لي وهي بتشرب الشاي
كنت فاكرة إن لو أحمد ما عملش كل اللي أنا عايزاه، يبقى مش بيحبني. ما كنتش فاهمة إن الحب مش معناه إن الواحد يلغي نفسه عشان يرضي حد.
بصيت لها باستغراب؛ لأن دي كانت أول مرة تتكلم عن نفسها بالشكل ده، من غير ما تلومني أو تلوم أحمد.
قلت
الحب الحقيقي بيسيب مساحة لكل واحد فينا يعيش، من غير ما يجرح التاني.
هزت راسها، وكملت شرب الشاي.
العلاقة بيننا ما بقتش علاقة أم وبنت، ولا نسيت اللي حصل في الماضي، لكنها تحولت لعلاقة فيها قدر أكبر من الاحترام، وأقل في التدخل والضغط.
بعد سنين طويلة، واجهتنا أزمة صحية حقيقية مع الحاجة نادية.
المرة دي، ما كانش فيه تمثيل ولا حكايات متناقضة. كانت تعبانة فعلًا، ومحتاجة مساعدة ورعاية مستمرة.
أحمد اتأثر جدًا، وكان نفسه يعمل كل حاجة عشان يخفف عنها، لكننا اتفقنا إننا نساعدها من غير ما نهمل بيتنا أو نحمل نفسنا فوق طاقتنا.
شاركت في ترتيب مواعيد الأطباء والرعاية، وساعدناها في اللي نقدر عليه. وما استخدمتش مرضها عشان أعاقبها على الماضي، لأنني ما كنتش عايزة أبقى نسخة من نفس الدائرة اللي حاولت أخرج منها.
في إحدى الليالي، وأنا قاعدة جنب سريرها، مسكت إيدي وقالت بصوت ضعيف
مريم، أنا عارفة إنك مش مضطرة تعملي كل ده عشاني.
قلت لها
أنا بعمله لأن ده اختياري. مش عشان أنسى الماضي، ولا عشان أثبت لأي حد إني كويسة.
دموعها نزلت، وقالت
أنا ظلمتك. يوم ما كنتِ محتاجاني فيه، فكرت في نفسي، وخلّيت أحمد يشارك في كذبتي. وبعدها فضلت أدافع عن نفسي بدل ما أعترف بغلطتي.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا آسفة يا بنتي.
المرة دي، كان اعتذارها مختلفًا. ما كانش وراه طلب، ولا محاولة إنها تحصل على حاجة مني.
ضغطت على إيدها وقلت
أنا سامعاكِ يا حاجة نادية.
ما قلتش إن كل حاجة اتصلحت، لأن ده ما كانش حقيقي. لكنني سامحتها على قد ما قدرت، وقررت إني ما أعيش بقية عمري أسيرة للي حصل.
بعد الأزمة، فضلت الحاجة نادية محتاجة مساعدة، لكن علاقتنا كانت أكثر صدقًا. بقت تقول لما تكون محتاجة حاجة، وتقبل لما نقدر نساعدها أو لما نحتاج نرتب الأمور بطريقة مختلفة.
في المرحلة دي من حياتي، قررت أكتب عن تجربتي.
ما كنتش عايزة أفضح حد، ولا أحول حياتي لمادة للفضول. كنت عايزة أكتب عن امرأة صدقت إن عليها تتحمل كل حاجة في صمت، لحد ما اكتشفت إن السكوت مش دايمًا دليل قوة، وإن التضحية لما تتحول لواجب مفروض بتبقى شكل من أشكال الظلم.
كتبت عن الأيام اللي قضيتها بعد الولادة، وعن الصور اللي كشفت الحقيقة، وعن المواجهة اللي كنت مرعوبة منها، وعن الانفصال والعلاج والمحاولات اللي احتاجتها علاقتي بأحمد عشان تبدأ من جديد.
وكتبت كمان عن أمي، اللي وقفت جنبي من غير ما تفرض عليّا قرارًا، وعن أحمد اللي اضطر يتعلم إن النضج مش مجرد إنه يعترف بغلطه، لكن إنه يتحمل نتيجة اختياراته ويغير سلوكه.
لما نشرت المقال، وصلتني رسائل من ستات كتير حكوا لي عن تجارب شبه تجربتي. واحدة كانت بتتحمل تدخل حماتها في كل تفاصيل حياتها، والتانية كان جوزها بيهرب من المسؤوليات ويتركها تواجه كل حاجة لوحدها، وثالثة كانت فاكرة إن طلب المساعدة معناه إنها فشلت.
كنت بقول لكل واحدة منهم إن مفيش حل واحد يناسب الجميع، وإنها مش مطالبة تاخد قرارًا مصيريًا لمجرد إنها قرأت حكاية. لكن من حقها تفهم اللي بيحصل لها، وتطلب الدعم، وتحط حدودًا تحميها.
بعد فترة، المقال تحول لكتاب، وانتشرت حكايتي أكتر مما توقعت.
أحمد قرأ الكتاب كله، وبعدها جه قعد جنبي في الشرفة.
قال
أنا كنت فاكر إن أسوأ حاجة عملتها إني سافرت وقت ولادتك. لكن لما قرأت كلامك، فهمت إن الأسوأ إني خليتك تحسي إنك لوحدك، وإنك لازم تثبتي إنك تستحقي المساعدة.
بصيت له وقلت
وأنا فهمت إن مسامحتي ليك ما كانتش معناها إني أقبل نفس المعاملة تاني.
ابتسم وقال
يمكن إحنا الاتنين اتعلمنا بالطريقة الصعبة.
مسكت إيده. كنت عارفة إن حياتنا ما كانتش مثالية، وإننا خسرنا وقتًا طويلًا بسبب الخوف والكذب والتردد، لكننا قدرنا نتعلم ونبني حياة أفضل.
مرت العقود.
كبر يوسف وليلى، واتجوزوا، وبقى عندنا أحفاد يملوا البيت ضحكًا وحركة. كنت كل ما أبص لهم أفتكر الأيام الأولى بعد ولادة يوسف، وأستغرب إزاي لحظة واحدة من الحقيقة قدرت تغير اتجاه حياة كاملة.
أحمد فضل جنبي لسنين طويلة. كان كبر، وشعره ابيض، وحركته بقت أبطأ، لكننا كنا لسه بنقعد سوا في الشرفة ونفتكر الأيام اللي عدت.
قبل وفاته بسنوات، في ليلة هادئة، قال لي
مريم، فيه حاجة لازم أقولها لك. أنا عارف إنك سامحتيني، لكن عمري ما نسيت اللي عملته. كل مرة كنتِ بتثقي فيّ من جديد، كنت بحس إن عليّا مسؤولية أكبر إني ما أضيّعش الثقة دي.
قلت له
أنا ما رجعتش لك عشانك كنت مثالي. رجعت لأنك اعترفت بغلطك، واشتغلت على نفسك، وفضلت تحاول.
رد
أتمنى لو كنت فهمت ده من البداية.
قلت
إحنا ما نقدرش نغير اللي فات، لكن نقدر نختار نعمل إيه بالوقت اللي لسه عندنا.
ابتسم، وسند راسه على كتفي.
بعد سنوات قليلة، رحل أحمد. حزنت عليه حزنًا كبيرًا، لأنني فقدت شريك عمري، والرجل اللي أخطأ في حقي بشدة، لكنه تعلم في النهاية إزاي يتحمل مسؤولية اختياراته ويكون شريكًا حقيقيًا.
بعد رحيله، فضلت أعيش مع ذكرياتي، وأقرأ رسائل أحفادي، وأقضي وقتًا مع أولادي. كنت أحيانًا أفتح الكتاب اللي كتبته، وأتوقف عند الصفحات اللي وصفت فيها الأيام الأصعب، مش عشان أعذب نفسي، لكن عشان أفتكر قد إيه الإنسان ممكن يتغير لما يواجه الحقيقة بدل ما يهرب منها.
عشت عمرًا طويلًا، وشفت أولادي وأحفادي يكبروا، لحد ما وصلت لسن متقدمة جدًا، وبقيت محتاجة مساعدة في حاجات كنت بعملها بسهولة وأنا
شابة.
وفي يوم، وأنا قاعدة وسط عيلتي، طلبت من حفيدتي إنها تقرأ لهم آخر صفحات كتابي.
بدأت تقرأ بصوت هادي، والكل كان ساكت.
كانت الصفحات بتتكلم عن المعجزة الحقيقية في حياتي. مش إن حماتي تعبت أو خفت، ولا إن جوزي رجع لي، ولا إن قصتي بقت معروفة.
المعجزة الحقيقية كانت إني صحيت.
صحيت من فكرة إن الحب معناه إني أتحمل كل شيء، وإن الحفاظ على العيلة معناه إني أدفن وجعي، وإن الطيبة تفرض عليّا أسمح للناس يكرروا أذيتهم ليا.
فهمت إن الإنسان يقدر يحب من غير ما يلغي نفسه، ويسامح من غير ما ينكر الحقيقة، ويساعد من غير ما يسمح لحد يستغله.
ولما خلصت حفيدتي القراءة، بصيت لأولادي وأحفادي، وشفت في عيونهم إنهم فهموا الرسالة.
ما كنتش عايزة حد منهم يعيش نفس الألم اللي عشته، لكنني كنت أتمنى إنهم يتعلموا إن الحدود مش قسوة، وإن الصراحة مش خيانة، وإن الاعتذار الحقيقي لازم يتبعه تغيير.
ابتسمت وأنا ببص للوجوه اللي حواليا.
عشت حياة طويلة، فيها أخطاء وندم وفرح وخسارة، لكن أكتر حاجة كنت فخورة بيها إني ما فضلتش طول عمري الست اللي صدقت إنها لازم تسكت عشان تحافظ على بيتها.
في النهاية، أنا اللي اتغيرت، ومعايا اتغيرت حياة ناس كتير.
وده كان معنى المعجزة بالنسبة لي مش إن حد يرجع زي الأول، لكن إننا نتعلم نبقى أحسن من الأول، ونفهم إن الحب الحقيقي عمره ما يطلب من إنسان إنه يتنازل عن كرامته عشان يثبت إنه بيحب.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *