يوم فرحي خطيبه جوزي
اللي يقبلني كما أنا، مش محتاجة أكون مع حد.
وفي تلك الأثناء، كانت رحلة كريم مختلفة تماماً.
بعد أن فقد عمله، حاول البحث عن وظيفة مماثلة في شركات أخرى، بس سمعته سبقته. الكل عرف بالقصة، والكل عرف إنه فقد منصبه بسبب خطأ شخصي جسيم. بعضهم شفَق، وبعضهم استغرب، ولا أحد يريد يوظف شخص كان في منصب رفيع وفجأة أصبح بلا خبرة عملية حقيقية يثبتها.
عمل في وظائف أصغر فأصغر. مدير مبيعات في شركة صغيرة، ثم موظف مبيعات، ثم عمل حر لا يضمن له دخلاً ثابتاً. كل ما ادخره بدأ ينفد. الشقة اللي كان يستأجرها صغرت، وعلاقته بأهله تغيرت، أصبح يشعر بالخزي كلما نظر لعيونهم.
وخلال السنتين دول، لم يلتقِ فريدة أبداً. لم يطلب مقابلتها، لم يرسل لها رسالة، لم يحاول الاتصال. عرف إن الباب أغلق بإحكام، وإن الكرامة اللي أهدرها هي لا تُشترى بمال ولا تُسترد باعتذار متأخر.
حتى التقيا صدفة.. في حفل افتتاح مشروع سكني ضخم في التجمع الخامس، تابع لشركة فريدة. هو كان هناك بصحبة صديق قديم، مجرد ضيف عادي يقف في الخلفية، وهي كانت تقف على المنصة تتلقي التهاني من كبار رجال الأعمال والوزراء.
عيناه التقتا للحظة.
لم تغير نظرةها شيئاً. لم تكن غاضبة، لم تكن سعيدة، لم تكن حزينة.. كانت مجرد نظرة شخص يعرفك، وتجاوزك. ابتسمت بابتسامة مهذبة جداً، ولفتت نظرها عنه وتكمل حديثها مع الوزير واقف جنبها.
هو خرج من الحفلة قبل انتهائها بقلب ثقيل. عرف في تلك اللحظة إنه خسر ليس فقط فتاة تحبه، بل فرصة لحياة كان يحلم بها.. وبكل بساطة، لأنه لم يحترم الشخص اللي كان بجانبه.
الجزء الخامس
ثلاث سنين كاملة مرت على ذلك اليوم.
فريدة اليوم في قمة نجاحها. أسست مؤسسة خيرية باسم والدتها لدعم الفتيات في التعليم والتدريب المهني، وتزوجت من شاب طبيب تعرفت عليه في إحدى فعاليات المؤسسة، إنسان بسيط، محترم، يعرف قيمتها الحقيقية قبل اسمها وثروتها. لم يتزوجها ليصبح زوج السيدة الفلانية.. تزوجها لأنها هي فريدة.
زواجها كان بسيطاً، دافئاً، حضره من يحبها حقاً. ولم يمرّ على مسامعها أي أخبار عن كريم إلا ما كان يصلها عرضاً من معارفها.. إنه يعيش حياة بسيطة جداً، يعمل في متجر مواد بناء في حي شعبي، ويعيش مع والدته، وتوقف عن محاولة اللحاق بقطار فات أوانه.
وفي يوم شتوي ممطر، كانت فريدة بتخرج من المستشفى بعد توقيع اتفاقية دعم لقسم الأطفال، لفتت نظرها سيدة عجوز واقفة عند مدخل المستشفى تحمل أكياساً ثقيلة ومش بتقدر تمشي بسهولة. اقتربت منها فريدة بكل لطف وساعدتها
اسمحيلي يا حاجة، خذي راحتك.. أنا أساعدك توصلي للباب.
السيدة رفعت عينيه، وفريدة اندهشت.. كانت والدة كريم.
تغير لون وجه السيدة، وحاولت أن تنحني بسرعة
آسفة يا سيدتي.. ما كنتش أعرف إنك أنتي.. شكراً لمساعدتك.
فريدة مسكت إيدها بكل لطف
لا تعتذري أبداً. أخبارك إيه؟ وأخبار كريم؟
ترددت السيدة قليلاً، ثم قالت بصوت منخفض مليء بالحزن والندم
هو.. بخير يا بنتي. تعب كتير، واتعلم الدرس ده بالطريقة الصعبة جداً. بيقول دايماً إنه خسر أحسن ما كان في حياته بيده، وإنه ما يستحق المغفرة. عمري ما طلب مني أجيلك ولا أتصل بك، عشان ما أزعجك. بس صدقيني.. هو تغير كتير.
فريدة ابتسمت بصدق، ومدت
يدها لمحفظتها وأخرجت بطاقة عملها وكتبت شيئاً على ظهرها وسلمتها لها
أنا سعيدة إني شفتكِ. وقللي له.. إن المغفرة موجودة دائماً، بس مش كل حاجة بترجع زي ما كانت. اللي فات لازم يمشي، واللي جاي لازم يبني على الصح. ده عنوان مكتب المؤسسة بتاعتي.. لو محتاج أي مساعدة في عمل جديد أو دورات تدريبية، يروح لهم ويقول له فريدة قالتلكم تساعدوه. ده واجب إنساني مش أكتر ولا أقل.
ودعتها ومشيت. لم تنظر وراءها. لم يكن ذلك ضعفاً، بل قوة حقيقية. قوة تقول أنا بخير، وأنت لست عدواً لي، لكنك لست جزءاً من مستقبلي أيضاً.
الجزء السادس والخاتمة
في المساء ذاته، جلس كريم على كنبته القديمة المتآكلة، وقرأ الكلام المكتوب بخط يدها على ظهر البطاقة
الندم مش عيب يا كريم.. العيب إنك تضيع باقي عمرك تدفع ثمن غلط ما تغيرش فيه شي. الباب اتقفل، بس الأبواب الأخرى مفتوحة للي بيحاول يبدأ من جديد. بالتوفيق في طريقك.
وضع البطاقة على الطاولة أمامه، ونظر للمرآة القديمة المعلقة على الحائط. لم يكن يرى الرجل الطموح المتكبر الذي كان عليه قبل ثلاث سنين.. كان يرى إنساناً تعلم بالطريقة الأكثر إيلاماً في الدنيا
أن الكرامة التي تطلبها من الآخرين، لازم تحافظ عليها أولاً بنفسك.
أن احترام الناس لشخصك أهم وأبقى من احترامهم لجيبك ومنصبك.
وأن الفتاة الهادئة التي سارت بفستانها الأبيض وحدها في الشارع في يوم فرحها.. لم تكن تخرج من حياته فقط.. كانت تخرج من حياته كرامته التي تنازل عنها بيده.
وفي بيتها الدافئ، كانت فريدة جالسة تشاهد المطر من النافذة، وزوجها بجانبها يقرأ بصوت هادئ. لم ټندم على قرارها يوماً. عرفت إن ما فعلته لم يكن قسۏة.. كان حباً لذاتها أولاً.
فالعلاقة الحقيقية لا تبدأ حين يقبل الطرف الآخر محبتك.. بل تبدأ حين يحترم كيانك وكيانك، ولا يطلب منك أبداً أن تتنازل عن نفسك من أجله.
والناس اللي بيقولوك بلاش تبالغي، ما يستاهلش تكسري فرحتك عشان كلمة.. دول اللي مش عايشين معاك حياتك. لأن حدودك
يا سيدتي، هي أغلى ما تملك. ولما يحدّش يتخطاها، صدقيني.. ده مش وقت للتفاوض. ده وقت للمشي بهدوء، وراسك مرفوع، إلى الأمام.
تمت بحمد الله