الأيام اللي تلت الليلة الملعونة دي كانت أشبه بالسكون اللي بيسبق العاصفة. جوه الفيلا الواسعة المطلة على البحر، كانت «مي» محبوسة في الأوضة فوق، بس المعاملة اتغيرت 180 درجة. مفيش قيود، مفيش إهانة، ومفيش النظرات الاستحقارية اللي افتتح بيها «آسر» كابوسها أول يوم. من بعد الجدال الحاد اللي دار بينهم، والصراخ اللي طالع من أعماق قلبها وهي بتأكد إنها متجوزة وإن جوزها هو اللي خدعها وجابها الأوتيل وبعت لها فويس نوت يطلقها فيه ويسيبها ويمشي، زرعت جوا عقله بذرة شك مش راضية تقف عن النمو. آسر الشافعي، الراجل اللي ما يعترفش بضعفه قدام أي ست، اللي عمره ما بيسيب حاجة حط عينه عليها .. دلوقتي مش قادر يقرب منها او يعاملها معاملة اي م*** تانية ... كان بيقف كل ليلة جنب شباك مكتبه تحت، يبص على نور الأوضة اللي فوق، ويسأل نفسه: «هل ممكن أكون ظلمتها؟ هل ممكن تكون الست دي فعلاً مظلومة وجوزها هو اللي عمل فيها كده؟ بس مين جوزها ده؟ و ازاي و ليه؟». هي عمرها ما ذكرت اسم جوزها قدامه، ولا قالت هو شغال إيه ولا مين هو أصلاً.. كان كل كلامها بصيغة المجهول: «جوزي خدعني.. جوزي بعتلي يطلقني ويكسر مناخيري عشان بيغير مني!». عشان كده، آسر قرر يتحرك بنفسه. استدعى رجالته ومساعده الخاص، وطلب منهم يبحثوا عن الحقيقة بالكامل، بس المره دي البحث عن «مي» نفسها: اسمها الثلاثي من واقع حجز الأوتيل، مين عيلتها، شغالين إيه، والأهم.. مين الراجل اللي متجوزها! وفترة انتظار التحريات دي، كانت هي الفترة اللي بدأت تتغير فيها الحكاية بين آسر ومي بشكل غير متوقع.. في اليوم التالت، مع غياب الشمس واختفاء آخر شعاع أحمر فوق مية البحر، كان السكون بيلف الأوضة فوق. مي كانت قاعدة على حرف السرير الكبير، ضامة ركبتها لصدرها، وبتبص للسما المظلمة من الشباك. شعرها الأسود المفرود كان نازل على كتافها بغير ترتيب، ووشها باهت وعيونها دبلانة من كثر السهر والتفكير.. كانت بتفكر في جوزها.. الراجل اللي اختارته بقلبها وحاربت الدنيا عشانه. يا ترى هو فين دلوقتي؟ بيعمل إيه بعد ما طلقها؟ وإزاي جاله قلب يرميها الرمية دي في أوتيل عشان يكسر مناخيرها زي ما قال في الفويس نوت؟! كل ما تفتكر نبرة صوته الباردة وهي بتسمع الرسالة، تمو. ت جوة نفسها ألف مرة. هي عارفة إنه مديون ومزنوق في فلوس، بس عمرها ما تخيلت إن جنونه وغيرته يوصلوه للدرجة دي. فجأة.. سمعت «تكة» الباب الخفيفة وهو بيتحط فيه المفتاح. اتنفضت مي في مكانها، وعيونها اتجهت للباب وهي متوقعة الخادمة، بس اللي دخل المرة دي كان آسر الشافعي. مدخلش ببدلته الرسمية ولا بملامحه الصارمة بتوع كل مرة. كان لابس قميص أسود كاجوال من غير جاكيت، ورافع أكمامه لحد كوعيه بإنسايبية، وفي إيده صينية خشبية صغيرة عليها طبق أكل فخم وكوباية عصير فريش. قامت مي بسرعة ووقفت جنب السرير، وبصت له بنظرة حذرة، عيونها بتلمع بالغضب والدفاع عن النفس: — "أنت تاني؟ جاي هنا ليه؟ و ناوي تحبسني في الأوضة دي لحد إمتى؟ خلصت تحقيقاتك وألاعيبك ولا لسه؟" آسر وقف مكان قدام الباب، ونزل الصينية بهدوء على الترابيزة الخشبية اللي جنب الشباك. رفع عيونه السوداء الحادة وبص لها بملامح هادية ونقية خالص، مختلفة تماماً عن العنف والجبروت اللي كان فيهم أول ليلة: — "كُلي حاجة .. أنتِ مأكلتيش حاجة عدلة من يومين. جسمك بقى ضعيف ووشك أصفر." بصت له مي باستنكار وشفايفها اترعشت بحنق: — "أنت مالك بصحتي ولا بأكلي أصلاً؟ ما تحبسني وتمنع عني الأكل خالص زي أي سجان بيعمل مع المسجونين بتوعه! ما أنت شايفني مجرمة و واحدة بايعة نفسها للي يدفع اكتر!" آسر اتنهد بعمق، تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع صدره، وتقدم بخطوات هادية وواثقة ناحيتها. صوته طلع واطي، هادي، وفيه نبرة دافية غريبة هدت جزء من التوتر المشتعل في الأوضة: — "لو لسة شايفك كده .. مكنتش دخلت بنفسي أجيب لك الأكل لحد هنا يا مي." أول مرة ينطق اسمها بالشكل ده.. «مي». النبرة اللي طلع بيها الاسم من بين شفايفه كان فيها حنية ورقة مفاجئة، خلت قلب مي ينبض بض. ربة قوية في صدرها ملهاش أي تفسير. سكتت فوراً، ونظراتهم اتقابلت في الضلمة الخفيفة اللي بتملى الأوضة مع النور الصغير المتبقي من شباك الاوضة. قرب آسر منها أكتر، لحد ما بقا بينه وبينها مسافة خطوة واحدة بس. عيونه السوداء كانت بتستكشف وشها بتمعن، ونطق بنبرة مليانة تردد واستفسار صادق: — "أنا طول اليومين اللي فاتوا.. مش قادر أطلع كلامك من دماغي .. صراخك.. وعياطك.. ونظرة عينيكي.. فيهم حاجة بتخليني أصدقك غصب عني." مي بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تحافظ على وقفتها وقوتها: — "تصدقني في إيه؟ أنا قلت لك كل اللي عندي.. أنا مظلومة ومكنتش أعرف أنت مين ولا جاي ليه!" آسر نزل نظره لإيديها المترعشة، وبعدين بص في عيونها مباشرة وقال بصوت شبه الهمس: — "بدأت أصدق إنك متجوزة فعلاً.. وبدأت أصدق إنك جيتي الأوتيل بحسن نية مع جوزك.. بس اللي مش قادر أفهمه.. إزاي راجل يكون جوزك، ويقدر يرميكي الرمية دي؟ إزاي يجيله قلب يبعتلك فويس يطلقك ويسيبك في أوتيل عشان يكسر مناخيرك زي ما بتقولى؟" الدموع اتجمعت في عيون مي زي اللؤلؤ، وكلامه لمس الوجع الدفين اللي كانت بتحاول تكتمه جوة صدرها. هزت راسها بوجع وابتسامة مريرة اترسمت على شفايفها: — "عشان هو مريض.. طول عمره كان عنده عقدة مني .. عشان شغلي ناجح، وعشان فلوسي من تعبي، وعشان عمري ما سمحت له يقلل مني أو يكسرني. كان دايماً يقول لي «مناخيرك اللي في السما دي أنا هعرف إزاي أجيبها الأرض».. مكنش عايز زوجة تصونه وتشاركه.. كان عايز واحدة يذلها ويحس إنه أفضل منها.. ولما ديونه كثرت عليه ومشاكله زادت، ملقاش أسهل ولا أوسخ من إنه يهرب و قبلها يكسرني بالطريقة دي وينهي عيشتنا سوا!" آسر كان بيسمعها بكل حواسه. عينيه كانت متثبتة على ملامحها، وشايف الدموع السخنة اللي نازلة تجري على خدودها بقهرة ... لأول مرة في حياته، حس بإن نيران غريبة وشرسة بتتولد جوة صدره.. غضب عارم ضد الراجل المجهول ده، ورغبة مجنونة إنه يعاقبه ويمسحه من على وش الأرض على الوجع والكسرة اللي سببها للست دي! مد آسر إيده ببطء شديد.. و صباعه الكبير مسح بلمسة ناعمة جداً دمعة كانت نازلة على خدها البيضا. اللمسة دي كانت خفيفة زي ريشة، بس تأثيرها نزل على جسم مي زي الصاعقة الكهربائية! جسمها كله اترعش، وفتحت عيونها على أوسعهم بصدمة وهي بتبص لإيده ولعينه. آسر حس بالكهربا اللي سرت بيناتهم، وما سحبش إيده فوراً، بالعكس.. صوته طلع مبحوح ودافي وهو بيبص لشفايفها المترعشة ولعيونها المليانة خوف ورغبة في الأمان: — "أنا أسف يا مي.. أسف على كل كلمة قاسية قلتهالك أول ليلة.. وأسف إني سمحت لنفسي أكون طرف في كابوس زي ده." مي حست إن الأرض بتلف بيها.. الصدر الحنين، والنبرة الهادية، واللمسة الدافية دي.. جاية من مين؟ من الراجل اللي كانت بتكره غروره وبتصدّه بقسوة من أربع شهور! الراجل اللي اقتحم عليها الأوضة بقمة الجبروت! وده اللي كان بيمو. تها من الرعب جوة نفسها.. إن إحساس غريب بالأمان والراحة بدأ يتسرب لقلبها وهي واقفة جنبه، دقات قلبها بقت بتدق بجنون مش عارفة تسيطرة عليه! حاولت تتراجع بضهرها خطوة لورا وتتكلم بصوت حاد تخفي بيه ارتباكها وأنفاسها المتلاحقة: — "ابعد عني لو سمحت.. أنا مش محتاجة شفقة منك ولا من غيرك! أنا عايزة امشي من هنا.. كفاية لحد كده، رجعني لأهلي!" آسر بص لها بنظرة طويلة مليانة إعجاب شديد بكبرياءها وقوتها اللي رغم كل الجراح لسه واقفت ومستمسكة بيها. ابتسم ابتسامة خفيفة وساحرة وقال بنبرة هادية بس فيها حزم ويقين: — "مش هتمشي دلوقتي يا مي.. خروجك من هنا دلوقتي مش امان ... في حاجة فى القصة دي مش منطقية و مش عارفين مين اللي وراها .. أهلك مش هيقدروا يحموكي من المجهول .. أمانك الحقيقي هيبقى هنا معايا." — "معاك؟ بصفتك إيه؟!" — سألت بصوت خافت ومصدوم. قرب آسر منها خطوة كمان، وقال بهمس ساحر ينزل على القلب: — "بصفتي الراجل اللي مش هيسيب حقك يروح.. والراجل اللي هيكفر عن ذنبه ويخليكي تشوفي آسر الشافعي على حقيقته.. مش الصورة اللي اترسمت في خيالك عني" مسك إيدها الصغيرة بين إيديه الكبيرتين، وضغط عليها برقة: — "طول ما أنتِ هنا جوه الفيلا دي.. مفيش مخلوق في الدنيا دي كلها يقدر يلمسك أو يضرك بكلمة.. أوعدك يا مي." سكتت مي تماماً.. اللسان عجز عن الكلام، والنظرات بيناتهم كانت أبلغ من ملايين الحكايات. كانت حاسة بزلزال جوة مشاعرها، صراع بين كبرياءها وجرحها القديم، وبين الانجذاب المرعب اللي بدأ يتولد جوة قلبها ناحية الراجل ده.. في صباح اليوم التالي.. الساعة حداشر الصبح . كانت مي قاعدة في الصالون تحت، بتشرب كوباية شاي بحليب والمشاعر المتلخبطة جواها من ليلة امبارح لسه مأثرة عليها. فجأة، اتفتح باب الفيلا ودخل محمود المساعد الخاص لـ آسر، وكان في إيده ملف أصفر سميك وشكله مستعجل جداً. دخل مكتب آسر، وبعد خمس دقايق بالضبط.. خرج آسر من المكتب! بس آسر المرة دي مكنش آسر الهادي بتاع امبارح! كانت وشه أحمر جداً، وعينيه بتطق شرار، وملامحه مرعبة بشكل يخوف أي حد يلمحه. كان ماسك في إيده ورقة أو صورة، وماشي بخطوات سريعة وزي النار ناحية الصالون! مي اتخضت وقامت وقفت من مكانها وهي بتبص له بخوف: — "مالك؟ في إيه؟" آسر وقف قدامها، والنفس بتاعه كان حاد جداً. رفع إيده بالصورة وحطها قدام عينها مباشرة، وقاله بصوت زي الرعد يهز جدران الفيلا: — "الراجل ده.. هو ده جوزك يا مي؟!" مي بصت في الصورة بصدمة.. كانت صورة شخصية لـ حازم! عيونها اتوسعت من الذهول، ورفعت راسها بصت لآسر وقالت بصوت مرتعش: — "أيوة.. ده حازم جوزي! أنت جبت صورته منين؟! تعرفه منين أصلاً؟!" آسر ضحك ضحكة جافة مليانة غل وقرف، ورمى الملف كله على الترابيزة قدامها بعنف: — "أعرفه منين؟! ههههه.. جوزك المحترم يبقى حازم الشناوي! الموظف اللي شغال عندي في قسم الحسابات في الشركة يا هانم!" مي اتصدمت لحد الشلل: — "شغال عندك؟! حازم شغال عندك أنت؟!" — "أيوة شغال عندي!" — صرخ آسر بصوت هز المكان: — "والأستاذ جوزك كان مختلس من الشركة مبالغ مهولة، وكان هيتحول للنيابة ويتسجن بكرة الصبح! عارفة جه عمل إيه لما الدنيا ضاقت بيه والأوراق اتكشفت؟" مي حطت إيدها على بقها، الدموع نزلت من عينها وهي بتهز راسها بنفي وجنون: — "لا.. لا.. حازم مديون، بس اختلاس؟ وسجن؟ لا مستحيل!" آسر قرب منها وبص في عينها بقمة القسوة والوجع: — "مستحيل إيه؟! جوزك الخ** دخل عليا المكتب وهو ميت في جلده من الخوف، وقال لي بالحرف: (أنا عارف إن المزة اللي صدتك زمان في الشركة عاجباك و هتمو. ت عليها .. سيبني أختفي و اتنازل عن قضية الاختلاس ، وأنا هجيبهالك لحد عندك تعمل فيها اللي أنت عايزه)!" نزلت الكلمات على رأس مي زي صاعقة مدمّرة! الأرض دارت بيها، والرؤية بقت سوداء قدام عينها. حازم بعها؟ بعها لمديره مقابل إنه يتنازل عن قضية اختلاس وسجن؟ بعها عشان يسدد ديونه ويخلص من السجن؟! — "حازم.. باعني ... باعني ليك؟" — همست مي بالكلمات دي وهي بتترعش، وقبل ما تلحق تتنفس أو تنطق حرف زيادة.. رجلها خانتها، ووقعت أغمى عليها بين إيدين آسر! يتبع .....