فلوس امي حكايات زهره

قالتلي إنها مش عايزة تستلف عشان مظهرها قدام الناس، وإن ربنا عارف نيتها. كانت فاكرة إنك هتفهمها، وإنك هتقعد جنبها وتسمع منها، لكنها كانت غلطانة في حاجة واحدة.
بصيتله بلهفة إيه هي؟
قال كانت فاكرة إنك مهما زعلت منها، مش هتقدر تقاطع أمك.
الكلام ده نزل عليا زي السکينة. أنا اللي كنت فاكر إني بعاقبها، طلعت بعاقب نفسي، وأنا اللي حرمت نفسي من صوتها وحنانها.
رجعت للجواب تاني، وكملت قراية.
يا علي، أنا مش زعلانة منك عشان زعقتلي، ولا عشان اتهمتني بالبخل. أنا زعلانة عشان إنت مشيت من بيتي وأنا كنت لسه عايزة أحضنك.
كنت كل يوم أجهز الموبايل وأبص على صورتك، وأقول يمكن النهارده يرن. ولما حد يخبط على الباب، قلبي كان يدق وأفتكر إنك رجعت.
كنت بقول للناس إنك مشغول، وإن شغلك واخدك، وإنك أكيد هتكلمني لما تفضى. مكنتش عايزة حد يقول عليك إنك نسيت أمك.
ولو إنت زعلان مني، أنا مسامحاك يا ابني قبل ما تطلب السماح. بس عايزاك توعدني إنك متسيبش العيال اللي كنت بساعدهم يضيعوا. مش عشان خاطري، لكن عشان هما ملهمش ذنب في أي حاجة.
وخلي بالك من نفسك، وكل كويس، ومتنساش إنك مهما كبرت هتفضل ابني اللي كنت بغطّيه بالبطانية لما ينام.
أمك اللي بتحبك، روحية.
خلصت الجواب، وحطيته على صدري، وفضلت أعيط زي الطفل.
كنت پصرخ وأقول سامحيني يا أمي! والله ما كنت أعرف! سامحيني يا أمي، أنا قټلت قلبك بإيدي!
بس القپر كان ساكت، ومفيش صوت بيرد عليا.
فضلت قاعد جنبها لحد المغرب، لحد ما عم رجب قاللي قوم يا ابني، ادعيلها. ربنا أرحم بيها مننا كلنا.
رجعت البيت القديم، وكنت حاسس إني داخل مكان غريب، مع إن كل ركن فيه كان مليان ذكريات. دخلت أوضتها، لقيت هدومها مترتبة، ونضارتها جنب السرير، وعلبة الدوا فوق الكومودينو.
فتحت الدولاب، لقيت هدوم كتير قديمة وعبايات كانت بتلبسها من سنين. مكنش عندها لبس جديد تقريبًا، رغم الفلوس اللي كنت ببعتها.
وفوق الرف لقيت علبة صفيح صغيرة. فتحتها، لقيت صورتي وأنا طفل، وشهادة تخرجي، وصورة ليا يوم ما سافرت، وتذكرة قديمة كانت محتفظة بيها من يوم ما وعدتها إني هرجع لها.
وتحت الصور لقيت ورقة مكتوب فيها بخطها
علي وعدني إنه هيرجع، وأنا مستنياه.
وقعت على ركبتي، وفضلت أبوس الورقة وأعيط.
في اللحظة دي، عرفت إن الفلوس اللي كنت ببعتها مش هي اللي كانت بتسعد أمي. كانت مستنية مكالمة، زيارة، حضڼ، وكلمتين يطمنوها إن ابنها لسه فاكرها.
تاني يوم، رحت لأمينة، الأرملة اللي أمي كانت بتساعدها. أول ما عرفت إني ابن الحاجة روحية، عيطت وقالتلي أمك دي كانت أحن واحدة في الدنيا. لما ابني دخل العملية، فضلت قاعدة معايا في المستشفى لحد ما الدكتور طمنا عليه. ولما سألتها هتردلها الفلوس إزاي، قالتلي ادعي لابني، ده أغلى حاجة عندي.
ابنها اللي أمي أنقذته كان واقف جنبها، كبر شوية، ولما عرف إني ابن الست اللي ساعدته، مسك إيدي وقال طنط روحية قالتلي لما أكبر أبقى راجل وأساعد غيري زيها.
ساعتها أخدت قرار عمري ما هتراجع عنه.
خصصت مبلغ شهري ثابت لمساعدة الأسر اللي أمي كانت بتصرف عليها، وسألت عن كل طفل كانت بتدفع مصاريف تعليمه، وكملت لهم تعليمهم. ورممت البيت القديم، لكن مقدرتش أغير أوضتها، وفضلت محتفظ بكل حاجة زي ما سابتها.
أما مراتي، فلما عرفت الحقيقة، عيطت هي كمان، وقالتلي يا علي، أنا مكنتش زعلانة من الأكل قد ما كنت زعلانة عليك. يومها شفتك بټجرح أمك، وكنت مستنية منك تهدى وتتكلم معاها،
لكن مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل للدرجة دي.
كلامها وجعني، لأني عرفت إن الغلط مكنش في أمي، ولا في العيش البايت، ولا في الجبنة القديمة. الغلط كان فيا أنا، لما خليت شكل الضيافة أهم من قلب أمي، ولما حكمت عليها من غير ما أسمعها.
ومن يومها، بقيت كل ما أروح المقاپر أقف عند قپرها وأحكيلها عن الأطفال اللي كملوا تعليمهم، وعن أمينة اللي بقت قادرة تصرف على عيالها، وعن كل بيت الخير وصل له باسمها.
وفي يوم، جبت ابني الصغير معايا، ووقفت قدام قبر جدته وقلتله شايف القپر ده يا حبيبي؟ هنا نايمة ست كانت بتدي الناس من غير ما تستنى مقابل، وكانت بتستحمل الجوع عشان طفل تاني يشبع. لو عايز تتعلم معنى الغنى الحقيقي، اتعلم من جدتك.
وبعدين طلعت آخر جواب كانت كاتباهولي، وحطيته في جيبي، ومشيت وأنا عارف إن مفيش فلوس في الدنيا تقدر ترجعلي يوم واحد كنت أقدر أقضيه معاها.
أنا خسړت أمي مرتين؛ مرة يوم ما ماټت، ومرة يوم ما قاطعتها وهي عايشة.
الأولى كانت قضاء ربنا، لكن التانية كانت غلطة عمري اللي مش هقدر أصلحها أبدًا.
خلي بالك من أمك وأبوك وهما لسه عايشين، لأن في يوم هتتمنى تسمع صوتهم ولو لدقيقة واحدة، ومش هتلاقي غير الذكريات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *