كل مره

طول الليل، وكل ما أغمض عيني كنت أسمع صوته في التسجيل وهو بيقول
فرحانة وصلت خلاص… ومش عايز غباء المرة دي.
الجملة دي كانت بتتكرر في دماغي زي الأسطوانة المشروخة.
قمت بهدوء، دخلت المطبخ، وعملت قهوة، وبعدها رجعت أوضتنا عشان أجيب الشنطة اللي كنت حاطة فيها جهاز التسجيل.
لكن أول ما فتحت درج الكومودينو، اتفاجئت بحاجة خلت إيدي تتجمد مكانها.
موبايلي كان مفتوح على رسالة جديدة من رقم مجهول.
والأغرب إن الرسالة كانت بتقول
لو عايزة تعرفي جوزك بيعمل فيكي إيه، انزلي النهارده الساعة 11 على العنوان ده. وتعالي لوحدك. والأهم… ما تثقيش في أختك.
وتحت الرسالة كان فيه عنوان في مدينة نصر، وصورة لست واقفة قدام باب عمارة، لابسة طرحة سودا وماسكة ملف بني.
كبرت الصورة بإيدي المرتعشة.
أنا أعرف الست دي!
مش معرفة شخصية، لكن شوفتها قبل كده.
كانت واحدة من الموظفات اللي شغالين في الشركة اللي كريم كان بيقول إنه بيتعامل معاها من سنين.
اسمها فرحانة.
الست اللي جوزي ذكر اسمها في التسجيل!
في اللحظة دي سمعت صوت كريم جاي من الحمام، فقفلت الموبايل بسرعة، وحطيته مكانه، ورجعت أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
خرج بعد شوية، وهو بينشف شعره بالفوطة.
صباح الخير يا حبيبتي. عاملة إيه النهارده؟
بصيتله وابتسمت.
الحمد لله، أحسن شوية.
قرب مني وباس راسي، وبعدها قال
أنا عندي اجتماع مهم النهارده، وممكن أتأخر. لو محمود كلمك وقالك إنه هيعدي عليكي، اركبي معاه عادي، أصل أنا مش عايزك تفضلي لوحدك كتير.
الكلام ده خلاني أحس إن الأرض بتلف بيا.
هو لسه مصرّ إن محمود ييجي ياخدني!
ابتسمت وقلتله
ماشي يا حبيبي، بس أنا النهارده هروح عند أختي شوية.
للحظة، ابتسامته اختفت.
لحظة صغيرة جدًا، يمكن أي حد غيري ما كانش هياخد باله منها.
لكنه رجع ابتسم بسرعة وقال
طبعًا، براحتك. سلميلي عليها.
خرج من الشقة بعد حوالي عشر دقايق.
وأول ما سمعت باب الأسانسير بيتقفل، مسكت موبايلي واتصلت بأختي.
ردت عليا بصوت طبيعي، لكن أول ما سألتها عن محمود، سكتت ثانيتين قبل ما تجاوب.
ماله محمود؟
قلت
هو بييجي ياخدني من الشغل ليه كل مرة؟ يعني إنتِ اللي بتطلبي منه ولا كريم؟
ردت بسرعة
يا بنتي ما تكبريش الموضوع، ده بيساعدكم وخلاص.
وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوت حد بينادي عليها من بعيد، فقالتلي إنها هتكلمني بعدين وقفلت.
فضلت باصة للموبايل.
أنا ما كنتش عايزة أشك في أختي، لكن الرسالة المجهولة كانت واضحة.
ما تثقيش في أختك.
والحقيقة إن خۏفي الأكبر ما كانش من إن أختي تكون عارفة حاجة.
كان خۏفي إنها تكون عارفة كل حاجة وسايباني أواجه الکابوس لوحدي.
الساعة عشرة ونص، كنت في عربية أجرة متجهة لمدينة نصر.
ما أخدتش الشنطة المعتادة، ولا لبست أي حاجة من اللي كنت بلبسها وأنا خارجة مع محمود.
أخدت موبايلي، وجهاز التسجيل، ونسخة من التسجيل محفوظة على حساب إلكتروني جديد، وبعت العنوان لصديقة ليا اسمها ندى، وقلت لها لو ما كلمتهاش قبل الساعة اتناشر، تتصرف وتتواصل مع حد يساعدني.
ما كنتش عارفة إذا كانت الخطوة دي كفاية ولا لأ، لكني كنت عارفة إني مش هفضل مستنية لحد ما حد تاني يقرر مصيري.
وصلت العنوان الساعة 1057.
كانت عمارة قديمة، وفي الدور التالت لقيت باب الشقة مفتوح سنة صغيرة.
خبطت.
خرجت نفس الست اللي في الصورة.
فرحانة.
كانت في أواخر التلاتينات، ووشها شاحب، وتحت عينيها هالات سودة، كأنها ما نامتش من أيام.
أول ما شافتني، قالت
ادخلي بسرعة.
دخلت وقفلت الباب ورايا، وبعدها بصتلي من فوق لتحت.
إنتِ فرحانة؟
استغربت السؤال.
أيوه، أنا فرحانة. إنتِ اللي بعتّيلي الرسالة؟
هزت راسها.
أيوه. وأنا عارفة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *