امي كانت

أمي كانت جاية تقعد عندي أسبوع واحد بس، لكن حماتي قفلت التلاجة بقفل وجنزير، وقطعت الكهربا عن أوضتها، ومشيت وهي بتقول
عشان تتعلم مقامها.
أنا ما اتخانقتش معاها خدت الورقة اللي سابتها، وحطيتها في شنطتي، وكملت في خطتنا كأن مفيش حاجة حصلت.
بعد تلات أيام بس، حماتي رجعت ولما شافت لافتة مكتوب عليها
الشقة اتباعت
فضلت تتصل بيا أكتر من خمسين مرة
الأكل ده ابني هو اللي بيجيبه. هو وحفيده أولى بيه. إنما الغرباء مالهمش حق يمدوا إيديهم عليه.
قريت الورقة مرتين قبل ما أستوعب إن كلمة الغريبة اللي كاتباها حماتي كانت تقصد بيها أمي.
التلاجة كانت متربطة بسلك حديد وعليها قفل.
وفي أوضة الضيوف، المروحة والتكييف كانوا واقفين، مع إن الجو في القاهرة اليومين دول كان نار، والحر مش طبيعي.
أمي كانت قاعدة جنب الشباك، بتهوّي على نفسها بمجلة قديمة، وبلوزتها مبلولة من العرق، وقدامها كباية مية دافية.
قربت منها وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
ماما حصل إيه؟
بصتلي وابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت
ولا حاجة يا داليا بلاش تعملي مشاكل عشاني.
الكلمة دي، ولا حاجة، وجعتني أكتر من أي خناقة.
أمي، نوال، كانت جاية من قرية صغيرة في كفر الشيخ، وكانت هتقعد عندنا أسبوع واحد بس.
وأنا أصلاً بالعافية قدرت أقنعها تيجي.
طول عمرها بتقول
مش عايزة أتقل عليكم يا بنتي. إنتوا عندكم شغل وبيت وعيال، وأنا ماليش لازمة أزن عليكم.
لكن جوزي، كريم، هو اللي قدر يقنعها في الآخر.
قال لها
يا طنط نوال، إنتِ مش جاية تطلبي لقمة ولا جاية تتفضلي علينا. إنتِ جاية بيت بنتك وحفيدك وده بيتك زي ما هو بيتنا. محدش هنا هيعاملك كإنك غريبة.
ياااه قد إيه الكلمة دي كانت بتوجعني وأنا فاكرة اللي حصل بعد كده.
قبلها بسنة، حماتي، سعاد، كانت باعت شقتها وجت تعيش معانا من غير ما تاخد رأينا بجد.
جت بأربع شنط كبار، وقالت إن ست في سنها مينفعش تعيش لوحدها.
إحنا ساعتها ادينالها أوضة.
وبعد كام أسبوع، بدأت تقول إن أوضتنا أحسن عشان شباكها أوسع.
وبعدها غيرت الستائر من غير حتى ما تسألني.
وبعدين بدأت تدخل في كل حاجة.
في أكلي.
في ترتيب البيت.
في طريقة تربية ابننا ياسين.
وفي أي فلوس كريم بيديها لها، كانت بتعتبرها حق مكتسب مش مساعدة.
وبرغم كل ده، كنت بسكت وأعدّي.
كنت بقول لنفسي
خلاص دي حماتي، وأنا مش عايزة أعمل مشاكل مع جوزي.
لكن سعاد عمرها ما كانت طايقة أمي.
من أول يوم أمي دخلت فيه البيت وهي مش طايقاها.
أول ما أمي وصلت، كانت شايلة كيس فيه عيش بلدي، وجبنة قديمة، وفطير، وشوية حاجات بلدي، ومعاهم حلويات صغيرة لياسين.
حماتي بصت للكيس كإنه حاجة مقرفة وقالت ببرود
هي جاية أسبوع ولا ناوية تنقل هنا؟
قبل ما أرد، كريم بص لأمه وقال
ماما، دي أم داليا، يعني أمي أنا كمان. ومش عايز الكلام ده يتكرر.
سكتت وقتها.
لكن شكلها قال إنها مش هتعديها بالساهل.
بالليل، وإحنا قاعدين على السفرة، كريم حط لأمي الأكل بنفسه.
وياسين كان كل شوية يقوم يحضنها ويقول
تيتا، خليكي معانا على طول.
حماتي حطت الشوكة من إيدها بعصبية.
وبصوت واطي قالت
واضح إن البيت كله بقى ملك ناس تانية.
ما رديتش.
عدّيتها.
لكن بعد ما الكل نام، سمعتها بتتكلم في التليفون مع مرات أخو كريم، اسمها منى.
وكان صوتها واضح من الصالة.
من يوم ما الست دي جت، والكل بقى بيلف حواليها.
منى ردت عليها بحاجة ما سمعتهاش كويس.
لكن بعدها حماتي قالت
لو ما حطتش لها حدود من دلوقتي، بكرة داليا هتدخل أهلها كلهم البيت.
قفلت باب أوضتي بهدوء.
وما علقتش.
تاني يوم الصبح، أنا وكريم خرجنا على شغلنا.
وأنا رجعت بدري عن ميعادي، حوالي الساعة أربعة.
أول ما دخلت البيت، حسيت إن في حاجة غلط.
الجو في أوضة أمي كان خانق بشكل مش طبيعي.
دخلت لقيتها قاعدة جنب الشباك، بتتهوى بالمجلة.
ماما، إنتِ مش مشغلة التكييف ليه؟
بصتلي بتردد.
مش شغال.
قربت من المفتاح.
ضغطت عليه.
ولا حاجة.
نزلت أبص على لوحة الكهربا.
وهنا اتصدمت.
حماتي كانت قاطعة الكهرباء عن أوضة أمي بس.
مش البيت كله.
الأوضة دي تحديدًا.
ولما فتحت باب المطبخ، لقيت حاجة أسوأ.
التلاجة كانت متقفلة بسلك حديد وقفل.
إيه ده؟!
قعدت أفك السلك وأنا إيدي بتترعش.
ولما سألت أمي
إنتِ أكلتي إيه من الصبح؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
ولا حاجة يا بنتي كنت مش جعانة.
ماما، متكدبيش عليا.
نزلت عينيها وقالت
أكلت حتة صغيرة من العيش اللي كنت جايباه ما حبيتش ألمس أكل التلاجة.
وقتها حسيت إن دمي غلي.
فتحت التلاجة وأنا بحاول أتماسك.
وفي اللحظة دي لقيت الورقة.
ورقة صغيرة متعلقة على باب التلاجة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
الأكل ده ابني هو اللي بيجيبه، وهو وحفيده أولى بيه. الغُرب مالهمش دعوة بيه.
قريت الجملة مرة.
واتنين.
وبعدين بصيت لأمي.
أمي كانت بتبص في الأرض.
حاولت أضحك عشان ما تحسش إني مكسورة من جوايا.
لكن قبل ما أرمي الورقة، لمحت جملة صغيرة مكتوبة تحتها
كل واحد لازم يعرف مقامه لأن في يوم من الأيام الشقة دي هتبقى لابني.
وقفت مكاني.
ما صرختش.
ما مسكتش التليفون واتصلت بحماتي.
وما حتى قلت لكريم وقتها.
ثنيت الورقة بهدوء، وحطيتها في شنطتي.
لأن في حاجة واحدة حماتي ما كانتش تعرفها.
حاجة أنا وكريم كنا بنجهز لها من شهور
وما حدش في البيت كان يعرف عنها أي حاجة.
لكن بعد اللي عملته حماتي في أمي، عرفت إن الوقت جه.
ومبقاش فيه رجوع.
في الليلة دي، استنيت كريم لحد ما رجع من الشغل.
أول ما دخل، ما سألتهوش عن يومه.
طلعت الورقة من شنطتي وحطيتها قدامه على السفرة.
قرأها مرة.
وبعدين رفع عينه ليّا.
ماما عملت كده؟
هزيت راسي.
مش بس قفلت التلاجة يا كريم دي قطعت

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *