حق مكتسب ج3 منى السيد

عايزة تطلع منها مليم يا بنتي اهدي وصلي على النبي.. إحنا أصلًا مكناش ناويين نقعد كتير، دي كانت زيارة كام يوم نغير جو بس ونتطمن عليكم.. رامي ابني ملهوش في الحبس والپهدلة دي، وإحنا ولاد أصول ونعرف الواجب.
سلمى ابتسمت ابتسامة صفرا قطعت بيها كل سبل الرجوع لا يا حماتي، انتو مكنتوش جايين زيارة، انتو جايين بخمس شنط وعربيات شحن وعايزين كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف عشان الإقامة الدائمة. بس الحلم خلص هنا. الورق ده مش هيتنزل عنه غير بحاجة واحدة بس.
رامي رفع عينه بلهفة وخوف إيه هي يا سلمى؟ قولي وأنا هنفذ فورًا.
ورقة طلاقي توصلي من المأذون قبل صلاة العصر النهاردة، تتنازل عن أي حقوق وتوقع على مخالصة كاملة، وتاخد أمك وشنطك وتخرجوا بره العمارة دي ومشوفش وشك في الشارع ده تاني أبدًا. لو ده حصل، هسلمك إيصال الأمانة وقائمة المنقولات قصاد ورقة الطلاق ونسيب بعض بالمعروف. لو مخرجتوش قبل العصر، المحامي هيتحرك، والشرطة هتيجي تنفذ الطرد والقبض في نفس الساعة، وقدام كل جيرانك وأصحابك والشركة اللي بتشتغل فيها.
نوال شدت رامي من دراعه بكل قوتها، وصوتها اتخنق بالخۏف على فلوسها اللي في البنك لتروح في محامين وغرامات طلقها يا رامي! طلقها يا واد دي ولية حية ومعاها ورق يودي في داهية! طلقها خلينا نغور من هنا بكرامتنا، ده إحنا مش هنخلص من شرها! يلا شيل الشنط دي من هنا!
رامي فضل واقف ثواني بيبص لسلمى، كان بيحاول يدور في عينيها على البنت الطيبة، الساذجة، اللي كانت بتسامح في حقه وفي فلوسها وتطبخله وتستناه بابتسامة.. بس ملقاش غير جدار عالي من الصلابة والعزة والكرامة اللي اتولدت من جديد. عرف إن كل محاولاته فشلت، وإن القناع اللي كان لابسه طول السنين اللي فاتت وقع ومبقاش فيه أي حيلة تنفعه.
هز راسه ببطء وهو مكسور تمامًا، وبص للمحامي وقال هروح معاك للمأذون دلوقتي.. بس عايز حاجتي الشخصية وهدومي.
سلمى شاورت لمحمود، اللي دخل أوضة النوم وجاب شنطة سفر رامي الكبيرة اللي كانت سلمى رصت فيها

هدومه وحاجته الشخصية من بالليل بمنتهى الترتيب، وحطها قدامه في الصالة حاجتك جاهزة أهي يا رامي، مفاضلش غير إنك تاخدها وتتفضل.
نوال بدأت تلم أكياسها وشنطها وهي بتبرطم وتدعي بالويل والثبور، والشباب الشيالين نزلوا الشنط على السلم، ورامي ماشي وراهم مطأطأ الراس، عينه في الأرض، مش قادر حتى يرفع عينه في وش البواب اللي كان واقف يتفرج ومستغرب المشهد.
نزلوا كلهم، وراح رامي مع المحامي عادل ومحمود عشان يخلصوا إجراءات الطلاق في مكتب المأذون اللي جنب العمارة، وسط صمت تقيل وخيبة أمل نوال اللي حلمت بالسيطرة على شقة الهوانم وطلعت منها مطرودة في عز الضهر من غير حتى كباية شاي.
بعد ساعتين، الباب خبط خبطة خفيفة. فتحت سلمى، وكان محمود لوحده في المدخل. مد إيده وادالها ظرف أبيض كبير، وابتسم وقال مبروك يا سلمى.. ورقة طلاقك اهي، وكل المخالصات القانونية اتمضت، ورامي سلم المفاتيح اللي كانت معاه للمحامي رسمي، وأمه أخدته وخدوا تاكسي على محطة القطر عشان يرجعوا بلدهم بخيبتهم.
سلمى مسكت الظرف بإيدين تابتة، وحست فجأة كأن جبل تقيل أوي كان نايم على صدرها وذاب في ثواني. سحبت نفس عميق وطويل، نفس نقي مكنتش حسيت بيه من سنين.
شكرًا يا محمود.. لولا وقفتك جنبي مكنتش هعرف أخد حقي بالشياكة دي.
محمود ضحك وقال العفو يا بنت خالي، إنتِ اللي خططتي وإنتِ اللي كنتِ قوية. العفش بتاعك في المخزن متغلف ومحفوظ، تحبي العمال يرجعوه امتى؟
سلمى بصت في الصالة الفاضية، وشافت الشمس داخلة من البلكونة بتنور كل ركن فيها، الأرضية البلاط كانت بتلمع، والهوا كان داخل منعش ونضيف، وقالت براحة ورضا ماليين قلبها بكره يا محمود.. سيب الصالة واسعة كده النهاردة.. الشقة شكلها كده واسع وبيرد الروح، وحاسة لأول مرة إنها بيتي أنا وبس.. بيتي اللي مش هيدخله تاني أي إنسان يطمع فيا أو يفتكر إن طيبيتي دي قلة حيلة.
قفلت سلمى الباب بالمفتاح، ودخلت وقفت في نص الصالة، رفعت راسها لفوق وابتسمت ابتسامة صافية، كانت عارفة إنها بدأت صفحة جديدة في حياتها، صفحة عنوانها إن اللي
يتنازل عن كرامته مرة بيخسر كل حاجة، وإن اللي يعرف قيمة نفسه، مفيش حد في الدنيا يقدر يكسره.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *