يوم تخرجي
يوم تخرجي، أهلي سابوا كراسيهم فاضية، وبعدها بثلاث أيام بابا بعتلي
محتاجين 90 ألف جنيه عشان عيد ميلاد أمك. حوّليهم النهارده.
رديت عليه بجملة واحدة بس وبعدها غيرت كالون الشقة.
نفس الليلة، اتنين ظباط شرطة وقفوا قدام بابي.
لكن اللي اكتشفته بعد كده في البنك كان أسوأ بكتير.
محتاجين 90 ألف جنيه عشان عيد ميلاد أمك. حوّليهم النهارده.
دي كانت رسالة بابا بعد تلات أيام من يوم تخرجي.
ولا حتى كتبلي مبروك.
فضلت باصة للموبايل في إيدي، وأنا قاعدة في شقتي الصغيرة في إسكندرية، وببص على الحيطة اللي كان عليها شهادة الماجستير اللي دفعت تمنها من عمري وفلوسي وتعب سنين.
اسمي سارة عبدالسلام، عندي 27 سنة، وطول عمري كنت فاكرة إن البنت الكويسة هي اللي عمرها ما تقول لأ لأهلها.
قبل تخرجي بأيام، كنت متخيلة اليوم ده بشكل مختلف تمامًا.
كنت بدرس ماجستير في تحليل وإدارة البيانات، وبعد شهور طويلة من السهر والشغل والمذاكرة، أخيرًا خلصت.
كنت متخيلة بابا واقف بيصورني بالموبايل، وماما هتكون أول واحدة تجري عليا وتحضني، وأخويا كريم هيهزر معايا كالعادة.
حتى جدي الحاج محمود كان المفروض ييجي.
حجزت أربع كراسي لعيلتي.
لكن جدي تعب قبلها بكام يوم، واتصل بيا بصوت مكسور وقال
سامحيني يا بنتي، والله نفسي أكون جنبك، بس الدكتور مانعني من السفر. أول ما أخف هاجيلك بنفسي وأفرح بيكي.
طبعًا قلتله
أهم حاجة صحتك يا جدو.
أما التلاتة الباقيين
ولا واحد فيهم جه.
لما المذيع نادى اسمي من على المسرح
سارة عبدالسلام
طلعت استلمت الشهادة، وأنا بابتسم قدام الناس.
لكن أول حاجة عملتها بعد ما وقفت على المسرح إني بصيت ناحية الكراسي اللي كنت حجزاها لأهلي.
فاضية.
أربع كراسي.
تلاتة منهم كان المفروض يبقى قاعدين عليهم أهلي.
ولا واحد فيهم كان موجود.
حواليّا أمهات بتصور ولادها، وآباء بيحضنوا أولادهم، وأخوات جايبين ورد وبيزغرطوا.
وأنا؟
كنت واقفة لوحدي.
استلمت شهادتي، وقفت للصورة الرسمية، وابتسمت للكاميرا كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن جوايا كنت حاسة إن حاجة بتتكسر حتة حتة.
استنيت بعد الحفل.
قلت يمكن حصل ظرف.
يمكن العربية عطلت.
يمكن ماما تعبت.
يمكن بابا نسي الميعاد.
استنيت ساعة.
وبعدين ساعتين.
محدش اتصل.
محدش حتى بعتلي رسالة.
بالليل، وأنا قاعدة لوحدي، فتحت فيسبوك بالصدفة.
وأول حاجة ظهرت قدامي كانت صورة أخويا كريم.
كنت متوقعة أشوف حاجة عن تخرجي.
لكن لأ.
الصورة كانت من بيتنا القديم في كفر الشيخ.
كريم عامل عزومة كبيرة.
لحمة على الفحم، سلطات، ناس كتير حوالين السفرة.
ماما كانت واقفة جنب بابا وبتضحك.
بابا ماسك كباية شاي وبيضحك مع قرايبي.
وأخويا كتب تحت الصورة
أحلى قعدة مع العيلة
فضلت باصة للصورة فترة طويلة.
وبعدين قريت تعليق تاني كتبه
العيلة الصح هي اللي بتفضل جنب بعض.
ضحكت.
ضحكة صغيرة مالهاش أي معنى.
وبعدين قفلت الموبايل.
طول عمري كانت دي حياتي.
لما كريم كان بيلعب ماتش في المدرسة، بابا كان بيقفل المحل بدري ويروح يتفرج عليه.
لما كريم نجح في الثانوية، بابا عمل له فرح كأنه متجوز.
أما أنا؟
لما كسبت مسابقة على مستوى المحافظة وأنا عندي ستاشر سنة، بابا بصلي وقال
كويس كملي تعليمك.
وخلاص.
من وأنا في المدرسة وأنا متعودة أشتغل أي شغلانة أقدر عليها.
اشتغلت في محل، وبعدها في كافيه، وبعدها بدأت أعمل شغل تحليلات وبيانات من البيت.
كنت بشتغل وأدرس في نفس الوقت.
وأي أزمة فلوس في البيت
كانت بتنتهي عندي.
مرة تصليح العربية.
مرة فاتورة كهربا متأخرة.
مرة علاج ماما.
ومرة ديون كريم.
وكان بابا دايمًا يقول نفس الجملة
إحنا أهل يا سارة، واللي يقف جنب أهله ربنا بيكرمه.
وكنت بصدقه.
كنت ببعت جزء كبير من مرتبي للبيت، وفي أسابيع كتير كنت بعيش على فول وبيض ورز عشان أوفر فلوس وأبعت لهم.
في الوقت اللي كريم كان بياخد مصاريف عربيته، ومصاريف خروجاته، وحتى فلوس إيجار شقته لما سكن لوحده.
ولما كنت أتكلم، بابا كان يرد بمنتهى البساطة
كريم لسه محتاج دعم. إنتِ الحمد لله بتعرفي تعتمدي على نفسك.
كنت فاكرة إن دي ثقة فيا.
كنت فاكرة إنه شايفني قوية.
لحد ما فهمت الحقيقة.
هو ماكانش شايفني قوية.
هو كان شايفني مضمونة.
شايف إن مهما حصل
هسكت.
وهساعد.
وهطلع الفلوس.
عشان كده لما وصلتني رسالة ال ألف جنيه، قعدت أبص للشاشة ثواني.
محتاجين 90 ألف عشان عيد ميلاد أمك.
ولا كلمة عن تخرجي.
ولا مبروك.
ولا حتى إحنا آسفين إننا ماجناش.
بس فلوس.
كالعادة.
فتحت تطبيق البنك.
وحولت له جنيه واحد بس.
وفي خانة سبب التحويل كتبت
كل سنة وهي طيبة.
قفلت التطبيق.
وبعدين فتحت درج المكتب وطلعت منه مفتاح الطوارئ اللي كنت غبية كفاية إني أديته لأهلي من زمان.
كنت مديته لهم عشان لو حصل لي حاجة يقدروا يدخلوا الشقة.
فضلت ماسكاه في إيدي كام ثانية.
وبعدين اتصلت بالنجار.
عايزة أغير كالون باب الشقة.
بعد أقل من ساعة، كان الكالون القديم اتشال واتركب واحد جديد.
ولأول مرة من سنين
حسيت إن في حاجة في حياتي بقت بتاعتي أنا.
مش بتاعت بابا.
مش بتاعت ماما.
ومش بتاعت كريم.
أنا.
لكن الإحساس ده ماكملش كتير.
الساعة كانت حوالي عشرة بالليل لما سمعت خبط على الباب.
خبطتين.
وبعدين تلاتة.
بصيت من العين السحرية.
لقيت اتنين ظباط واقفين قدام الباب.
فتحت الباب فتحة صغيرة.
أيوه؟
واحد منهم قال
حضرتك سارة عبدالسلام؟
أيوه.
بص للظابط اللي جنبه، وبعدين قال
والد حضرتك قدم بلاغ وطلب إننا نطمن عليكي. قال إنك من فترة بتتصرفي بشكل مقلق وإنه خايف تكوني مش في حالة نفسية كويسة.
حسيت إن الدم نشف في عروقي.
بابا عمل إيه؟
قال إنك قطعتي التواصل مع الأسرة فجأة، ورفضتي تساعديهم، وإنه قلقان إنك تكوني بتتعرضي لضغط أو عندك مشكلة.
بصيت لهم كام ثانية.
وبعدين فتحت الباب أكتر.
اتفضلوا.
دخلوا.
الشقة كانت مترتبة.
المطبخ نضيف.
الكتب متكومة على