نجاه وكشف المستور ج٢ منى السيد
فتلة واحدة. حتى الصور القديمة اللي كانت بتجمعنا وإحنا أطفال، قطعتها نصين، أخدت الجزء اللي فيه وشي ورميت الباقي في سلة الژبالة.
خرجت بالشنطة للصالة.
أمي كانت واقفة بتسند على الحيطة، عينيها مېتة ووشها باهت هتروحي فين يا دنيا؟ هتسيبي بيتك؟ هتسيبي أمك وأختك والناس تاكل وشنا؟
بصيت للبيت اللي عشت فيه أربعة وعشرين سنة.
الصالون المدهب، السجاجيد النضيفة، ريحة البخور اللي كانت أمي بتولعه كل جمعة عشان تبرك البيت… كله كان بالنسبالي كدبة، قفص من قزاز كان حابسني جوة ومحرمني من النور.
أنا ماليش بيت هنا يا تيسير. وماليش أم ولا أخت. من النهاردة، انتوا الاتنين برا حياتي تماماً.
دينا نادت عليا وهي بتمسح دموعها بضعف دنيا… متسبينيش لوحدي معاها، أرجوكي!
بصيت لدينا بنظرة أخيرة إنتي اختارتي تدلعي على حسابي سنين يا دينا… شيلِي بقى شيلتك، واشربي من نفس الكاس اللي أنا شربت منه. هي حبتك بزيادة، خليها تبلعك في حبها بقى.
فتحت باب الشقة، وجريت الشنطة ورايا.
نزلت السلم، وكل خطوة كانت بتنزل بتقل، بس الۏجع اللي في رجلي الشمال المرة دي كان بيخف… كان لأول مرة من سنين بيحس بالحرية. العلامة اللي ورا ركبتي مكنتش عاهة، دي كانت وسام نجاتي من مستنقع كدبهم.
خرجت للشارع.
الهوا السخن بتاع العصر لفح وشي، وصوت دوشة القاهرة، والزحمة، والناس اللي بتجري ورا أكل عيشها، حسيت لأول مرة إني جزء من الدنيا دي، مش كائن مربوط في رجل سرير أمه بيستنى تحذيراتها.
طلعت تليفوني، ومسحت كل الأرقام. مسحت رقم أمي، ورقم دينا، ورقم قرايبنا كلهم.
وبعدين وقفت عند رقم طارق.
فضلت باصة للاسم شوية. صباعي فضل معلق فوق زرار المسح.
طارق راجل محترم، وحبني بجد… بس إحنا الاتنين اتكسرنا بزيادة. لما بيتكسر الفخار ويتشرب بالسم، مبينفعش ترجع تحط فيه مية تشربها تاني. الماضي كان هيفضل واقف ما بيننا، كل ما يبص في عيني كان هيفتكر دينا، وكل ما كنت هبص في عينه كنت هفتكر الليلة اللي ضيعته فيها عشان كدبة أمي.
دوست على زرار الحذف.
تم حذف جهة الاتصال.
شاورت لتاكسي تاني، وحطيت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت قدام جنب الشباك.
السواق سألني وهو بيبص في المراية على فين يا آنسة؟
بصيت للطريق المفتوح قدامي، الطريق السريع اللي كنت زمان بټرعب منه ومبخافش من حاجة أده… ودلوقتي شايفة فيه بدايتي الجديدة.
اتنفست نفس طويل، وحسيت بريتي بتتملي هوا نضيف لأول مرة على محطة القطر يا أسطى… على إسكندرية.
النهاية