لو لقيتك
لو لقيتك بتخبّي فلوس عني تاني، أقسم بالله المرة الجاية مش هتكوني إنتِ لوحدك اللي هتدفعي التمن بنتك كمان هتدفعه.
قالها حسام وهو بيقلب علبة الصفيح الصغيرة اللي كانت مريم مخبّية فيها كل جنيه قدرت توفره من مصروف البيت.
الفلوس وقعت على الترابيزة قدامه.
مريم فضلت ساكتة.
لحد اللحظة دي، كانت استحملت منه كل حاجة تقريبًا.
كانوا عايشين في بيت قديم في آخر شارع ضيق في أطراف دمنهور، بيت الحيطان فيه دايمًا رطبة، والشبابيك الخشب بتدخل هوا ساقع بالليل، ولمبة السلم بقالها شهور محروقة.
مرة مريم حاولت تغيرها.
حسام شال اللمبة من إيدها وقال ببرود
سيبي الحاجات دي للرجالة أنا اللي أعرف أصلّح في البيت.
وطبعًا ما صلّحهاش.
بنتها ملك، عندها تسع سنين، كانت أكتر واحدة بتدفع تمن كل حاجة.
الصبح، قبل ما تنزل المدرسة، قربت من أمها ومدت إيدها لها.
كان فيها نص رغيف عيش متلفوف في ورقة من كشكول المدرسة.
خديه يا ماما إنتِ إمبارح ماكلتيش.
مريم بصتلها، وحست إن قلبها بيتقطع.
وإنتِ؟ أكلتي في الفسحة؟
ملك ابتسمت ابتسامة صغيرة.
آه أنا مش جعانة أوي.
كانت بتكدب.
مريم كانت عارفة.
بنتها بقالها فترة جسمها بيخس، وهدومها بقت أوسع عليها.
مريم كانت شغالة كاشير في سوبر ماركت كبير جنب موقف العربيات.
مرتبها بينزل على كارت بنكي، لكن الكارت نفسه كان عند حسام.
كل شهر ياخده منها بحجة إنه مسؤول عن البيت.
وكان بيراجع تليفونها، مكالماتها، رسايلها، وحتى الصور اللي على موبايلها.
كأنها مش مراته كأنها مسجونة عنده.
في الشغل، لاحظت الحاجة عفاف، زميلتها اللي قربت على الستين، الكدمات اللي حوالين إيد مريم.
مسكت إيدها بهدوء وقالت
إنتِ فاكرة إني كنت بتخبط في الأبواب كتير وأنا متجوزة؟
مريم ما ردتش.
الحاجة عفاف بصتلها في عينيها وقالت
لو في يوم احتجتي تخرجي من البيت ومش عارفة تروحي فين كلميني. متستنيش لما الموضوع يكبر.
مريم هزت راسها، لكن ما قالتش حاجة.
بعد كام ساعة، مدرسة ملك، مس نجلاء، طلبت منها تيجي لها.
أول ما دخلت المدرسة، قالت لها
ملك دوخت النهارده في حصة الرياضة.
مريم قلبها وقع.
حصل لها حاجة؟
لأ، دلوقتي أحسن بس في حاجة تانية أنا ملاحظاها من فترة.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
بنتك بتخبّي الأكل بتاع الفسحة في شنطتها.
مريم ما قدرتش ترد.
مس نجلاء قربت منها وقالت بهدوء
أنا مش بسألك ليه أنا بس بقولك إن البنت غالبًا بتاخد الأكل البيت عشان تأكلكم.
الكلمة دي وجعت مريم أكتر من أي ضربة أخدتها من حسام.
في الليلة دي، رجع حسام البيت ووشه مكشر.
مريم كانت بتحاول تجهز العشا، وفجأة موبايله رن بإشعار تحويل بنكي.
بص للشاشة.
تم تحويل ٤٠٠٠ جنيه من كريم عبدالرحمن.
كريم كان أخو مريم.
شغال ضابط في القوات المسلحة، وموجود في مهمة بره المحافظة، وكل شهر كان بيبعت فلوس لأخته على أساس إنها بتصرفها على ملك.
حسام ابتسم ابتسامة باردة.
كريم بعت الفلوس؟
مريم بصت له.
آه.
بكرة أنا وكمال هنروح نجيب شوية حاجات للعربية. الفلوس دي هتظبط معانا البنزين والمصاريف.
مريم لأول مرة رفعت عينها فيه.
لأ.
حسام سكت.
الفلوس دي لملك. البنت محتاجة جزمة وهدوم شتوي ومصاريف المدرسة.
حسام قرب منها ببطء.
إنتِ قلتي إيه؟
مريم بلعت ريقها، لكن المرة دي ما رجعتش في كلامها.
بقولك الفلوس دي مش بتاعتك.
ساعتها مد إيده وفتح درج المطبخ.
لقى علبة الصفيح.
العلبة اللي مريم كانت مخبّية فيها كل جنيه كانت بتوفره من مصروف البيت.
فتحها.
لقى جواها شوية فلوس معدودة.
حسام مسكها وقعد يعدهم قدامها.
يعني بتخبّي فلوس عني؟
دي فلوس ملك
قبل ما تكمل، مسكها من كتفها وزقها بكل قوته.
مريم خبطت في طرف البوتاجاز ووقعت على الأرض.
ملك خرجت من أوضتها تجري.
بابا! متضربش ماما!
حسام لف ناحيتها بعصبية.
وإنتِ كمان داخلة في الموضوع؟
زقها بإيده.
ملك وقعت جنب باب الأوضة.
مريم صرخت
ملك!
سكت البيت كله بعدها.
حتى حسام نفسه وقف لحظة.
بص للبنت اللي قاعدة على الأرض، وبعدين قال بمنتهى البرود
أنا مسافر يومين.
حط الفلوس في جيبه.
لما أرجع، عايز البيت يلمع. ومش عايز أسمع كلمة عن الفلوس دي تاني.
وخرج.
أول ما الباب اتقفل، مريم جريت على بنتها.
وريني إيدك يا حبيبتي.
كان فيه كدمة كبيرة بدأت تظهر على دراع ملك.
مريم حضنتها، لكن دموعها ما نزلتش.
لأول مرة، كان جواها إحساس مختلف.
مش خوف.
غضب.
بالليل، وبعد ما ملك نام، مريم طلعت كشكول قديم من دولابها.
فتحت صفحة في النص.
كانت الصفحات مليانة تواريخ وأرقام.
أربع سنين كاملة.
كل مرة ضربها فيها حسام.
كل مرة أخد فيها مرتبها.
كل مرة بعت كريم فلوس واختفت.
كل مرة ملك شافت حاجة ما كانش المفروض طفلة في سنها تشوفها.
كتبت
١٢ أكتوبر حسام أخد ٤٠٠٠ جنيه كريم بعتهم لملك. أخد كمان ٦٨٠ جنيه كانوا متوفرين من مصروف البيت. ضربني في كتفي ووشي. زق ملك ووقعت على دراعها. دي أول مرة يمد إيده عليها.
وقفت لحظة.
وبعدين حطت خطين تحت الجملة الأخيرة.
أول مرة يمد إيده على ملك.
قفلت الكشكول.
لكنها ما رجعتوش مكانه.
حطته في شنطتها.
الصبح، الساعة كانت حوالي تسعة، لما خبط حد على الباب.
ثلاث خبطات ورا بعض.
مريم اتجمدت مكانها.
افتكرت إن حماتها رجعت.
قربت من الباب وفتحته بحذر.
لكن أول ما شافت مين واقف، وشها اتغير.
كان كريم.
أخوها.
واقف قدامها ببدلته، شايل شنطة على كتفه، وفي إيده كيس صغير جواه دبدوب بني لملك.
ابتسم أول ما شاف أخته.
مفاجأة!
لكن الابتسامة اختفت في نفس اللحظة تقريبًا.
عينيه وقعت على وش مريم.
كدمة واضحة تحت عينها.
وبعدين بص على إيدها.
وبعدين لمح ملك واقفة وراها.
البنت كانت شاحبة