ترقيه شغلى

بالخلافات في البيت لدرجة إني ما استوعبتش إن القرار ما كانش مجرد نقل.
كان ترقية حقيقية.
كان تغييرًا في مساري المهني كله.
وبعد ساعات، دخلت اجتماع الإدارة.
كان فيه سبعة مهندسين ومدير المشروع.
حط مدير المشروع ملف كبير على الترابيزة وقال
مريم، المشروع ده مش مجرد مشروع جديد. ده مشروع قومي، وأي خطأ فيه هيكلفنا سنين. وإحنا اخترناكي لأنك أكتر واحدة عندها خبرة في الجزء الحساس من المنظومة.
فتحت الملف.
كانت الرسومات الهندسية قدامي.
قلت
أنا جاهزة.
قال المدير
السفر بعد تلات أيام.
هزيت راسي.
أنا جاهزة من دلوقتي.
بعد ما خرجت من الاجتماع، اتصلت بيا أختي الصغيرة.
مريم، إنتِ كويسة؟
ضحكت.
أنا كويسة جدًا.
قالت بتردد
سمعت إنك اتطلقتي.
آه.
سكتت شوية، وبعدين قالت
مبسوطة؟
بصيت من شباك المكتب للسماء.
وقلت
مش عارفة إذا كنت مبسوطة من الطلاق نفسه… بس مبسوطة إني أخيرًا اخترت نفسي.
قالت
أنا فخورة بيكي.
الكلمة دي لمست حاجة جوايا.
مش لأنني محتاجة تصفيق.
لكن لأنني اكتشفت قد إيه كنت محتاجة حد يقول لي إن اختياري لنفسي مش أنانية.
في اليوم التالي، وأنا في الإدارة، جالي اتصال من رقم أرضي.
رديت.
أستاذة مريم؟ معاك إدارة الإسكان التابعة للهيئة.
أيوه.
محتاجين حضرتك تعرفي إن السكن اللي كنتِ ساكنة فيه مع الأستاذ أحمد كان مرتبطًا بملفك الوظيفي كزوجة لموظف، لكن بعد صدور قرار التعيين الجديد، تم تحديث بيانات الاستحقاق.
سكت.
يعني إيه؟
يعني إن ليكي استحقاق مستقل في السكن الوظيفي الجديد، حسب درجتك ومنصبك.
شكرت الموظف وقفلت.
في اللحظة دي، فهمت إن فيه تفاصيل كتير في حياتي كنت جاهلة بيها.
مش لأنني غبية.
لكن لأنني كنت طول الوقت بافترض إن أحمد هو اللي بيهتم بالحاجات الإدارية دي.
وكنت بسيبه يتصرف.
بعد يومين، كنت في المطار.
شنطتي جنب رجلي.
ملف المشروع في إيدي.
وبدلة السفر معلقة في حقيبة صغيرة.
كنت على وشك أركب الطائرة لما شفت أحمد واقف بعيد.
اتجمدت مكاني.
هو قرب.
قال
كنت عايز أودعك.
شكرًا.
سكت.
بعدين قال
مريم… أنا عرفت حاجة.
إيه؟
إن قرار نقلك مش زي ما أمي كانت بتقول.
بصيت له.
تقصد؟
قال
عرفت إنك مش رايحة علشان تهربي مننا. إنتِ رايحة علشان شغلك.
قلت
ده كان واضح من البداية.
نزل عينيه.
أنا عارف.
وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعة أسمعها منه
أنا ظلمتك.
ما رديتش.
لأنه لأول مرة، ما كانش عندي احتياج أسمع اعتذاره.
كان الاعتذار متأخرًا جدًا.
رفع عينه وقال
أنا ما كنتش فاهم إنتِ قد إيه كنتِ بتتنازلي.
قلت
وأنا ما كنتش فاهمة إنك كنت مرتاح لتنازلاتي.
سكت.
نادى المطار أعلن عن الرحلة.
قلت
لازم أمشي.
قال
أتمنى تنجحي.
ابتسمت.
أنا هنجح.
ومشيت.
بعد ساعات، وصلت لموقع المشروع.
كان مختلفًا عن كل اللي تخيلته.
الجو صحراوي، واسع، والسماء بالليل كانت مليانة نجوم بشكل ما شفتوش قبل كده.
في أول ليلة، وقفت قدام مبنى السكن.
كانت شقتي صغيرة، لكنها جديدة ونظيفة، وفيها مكتب كبير وشباك بيطل على الصحراء.
حطيت شنطتي.
فتحت الشباك.
الهواء دخل.
وفجأة، حسيت إنني بدأت حياة جديدة فعلًا.
مش حياة هروب.
حياة اختيار.
04
مرت الشهور الأولى بسرعة.
المشروع كان أصعب مما توقعت.
كان فيه مشاكل تقنية، ضغط، اجتماعات طويلة، وتجارب فاشلة.
لكن كل مرة كنت أقع في مشكلة، كنت أفتكر نفسي قبل شهور.
الست اللي كانت واقفة في الصالة قدام حماتها، وبتطلب من جوزها بس إنه يقول كلمة واحدة في صفها.
وأضحك.
لأنني دلوقتي ما بقيتش مستنية حد يقول إن قراري صح.
أنا عارفة.
بعد ست شهور، حصلت أول نتيجة كبيرة.
النظام التجريبي اشتغل بكفاءة أعلى من المتوقع.
مدير المشروع دخل المعمل وهو بيضحك
مريم! نجحنا!
الكل صفق.
وأنا وقفت مكاني.
ما صرختش.
ما بكيتش.
بس ابتسمت.
افتكرت كل الليالي اللي سهرتها.
افتكرت كل مرة رجعت البيت تعبانة، ولقيت نفسها مطالبة أبرر ليه شغلي مهم.
افتكرت جملة أحمد
هو لازم تروحي؟
وجملة نادية
الشغل مش هيعمل لك بيت.
وأخيرًا فهمت إن البيت مش مكان بس.
البيت هو المكان اللي الإنسان يحس فيه إنه مش مضطر يصغر نفسه علشان غيره يرتاح.
بعد نجاح المرحلة الأولى، اتبعت تقارير رسمية للإدارة المركزية.
وبعدها بأيام، جالي اتصال من المدير.
مريم، فيه وفد جاي يزور الموقع.
قلت
تمام.
قال
وفيه حاجة تانية.
إيه؟
فيه تكريم رسمي للفريق.
ضحكت.
كلنا؟
كل الفريق. وإنتِ تحديدًا ليكي تكريم خاص.
في القاهرة، كان أحمد بدأ يواجه مشكلة مختلفة.
بعد الطلاق بأيام، راح الإدارة علشان يجدد بيانات السكن.
قال للموظف
أنا محتاج أجدد الإقامة.
الموظف بص في الكمبيوتر.
وبعدين قال
اسمك إيه؟
قال
أحمد حسن.
الموظف قلب في الأوراق.
وبعدين قال
آسف. السكن ده مرتبط بملف الأسرة السابق.
يعني إيه؟
يعني لازم تحدث بياناتك. حضرتك دلوقتي مطلق.
أحمد اتجمد.
طيب… أعمل إيه؟
الموظف قال بهدوء
قدامك سبعة أيام علشان تسلم السكن.
خرج أحمد من المكتب وهو مش مستوعب.
في نفس اليوم، اتصل بأمه.
ماما… لازم نسيب الشقة.
قالت نادية
إيه؟! ليه؟
السكن كان تابع لملف مريم الوظيفي، وبعد ما اتطلقنا، البيانات اتغيرت.
صمتت.
ثم قالت بعصبية
إزاي يعني؟!
قالوا لي لازم أسيبه خلال سبعة أيام.
نادية بدأت تصرخ
دي أكيد عملت حاجة!
أحمد سكت.
لأول مرة، ما دافعش عنها.
قال
ماما، محدش عمل حاجة.
أمال إيه؟
قال
إحنا اللي فهمنا الموضوع غلط.
يعني إيه؟
إحنا كنا فاكرين إن الشقة امتياز ليا.
وسكت لحظة.
طلعت مريم هي اللي كانت مستحقة السكن بعد ترقيتها.
الكلام وقع على نادية كأنه صفعة.
بعدها بأيام، اتنقلت أنا لمقر احتفال التكريم.
دخلت القاعة ببدلة رسمية بسيطة.
ما كنتش متوقعة إن فيه شخص من الماضي هيكون موجود.
لكن وأنا واقفة مع الفريق، لمحت أحمد في آخر القاعة.
كان جاي مع بعض الموظفين من الإدارة.
لما شافني، وقف.
أنا ما ارتبكتش.
بعد انتهاء التكريم، قرب مني.
قال
مبروك.
الله يبارك فيك.
سمعت عن نجاح المشروع.
الحمد لله.
فضل ساكت.
وبعدين قال
أمي عايزة تكلمك.
بصيت له.
ليه؟
مش عارف.
مش محتاجة.
اتنهد.
مريم، هي ندمانة.
قلت
الندم حاجة تخصها.
هي عايزة تعتذر.
سكت شوية.
وبعدين قلت
أنا مش شايلة منها حاجة.
قال
يعني ممكن تسامحيها؟
بصيت له بهدوء.
أنا سامحتها من زمان.
اتصدم.
بجد؟
آه. بس المسامحة مش معناها إني أرجع لنفس المكان.
بعد أسبوع، وصلني خطاب رسمي.
تم اعتمادي ضمن الفريق القيادي للمرحلة التالية من المشروع.
كنت قاعدة في مكتبي لما دخل زميلي كريم، مهندس في الفريق.
قال
مريم، الإدارة بعتت القرار.
قريته.
وسكت.
قال كريم
مبروك.
ابتسمت.
شكرًا.
قال
إنتِ تستاهلي.
الجملة دي كانت مختلفة.
لأنها ما كانتش طالبة مني حاجة.
ولا فيها ضغط.
ولا فيها ابتزاز عاطفي.
مجرد اعتراف بمجهودي.
ومع الوقت، بدأت علاقتي بزملائي تقوى.
كريم كان محترم جدًا، هادي، ومش بيحاول يفرض نفسه.
كان دايمًا بيشجعني على أفكاري.
وفي يوم، بعد اجتماع طويل، خرجنا سوا من مبنى الإدارة.
كانت الشمس بتغيب خلف الجبال.
قال لي
تعرفي؟
إيه؟
أول مرة شوفتك فيها، كنت فاكر إنك شخصية صعبة.
ضحكت.
ليه؟
علشان مبتسكتِيش لما تكوني مقتنعة بحاجة.
قلت
دي مشكلة؟
ابتسم.
بالنسبة لي؟ لأ.
مشيت جنبه.
لأول مرة من سنين، ما كنتش خايفة من فكرة إن حد جديد يدخل حياتي.
لأنني ما بقيتش محتاجة حد علشان يكملني.
لو حد دخل حياتي، لازم يضيف لها.
مش ياخد منها.
بعد مرور عام كامل، رجعت القاهرة في إجازة قصيرة.
وأنا خارجة من المطار، لقيت أختي مستنياني.
حضنتني وقالت
إيه يا مهندسة؟ بقيتي شخصية مهمة أوي!
ضحكت.
بلاش كلام كبير.
قالت
لا، بجد. إنتِ اتغيرتي.
سألتها
للوحش؟
هزت راسها.
لأ. بقيتي شبه نفسك.
الكلمة دي خلتني أسكت.
يمكن دي كانت أكتر حاجة حقيقية اتقالت لي.
أنا فعلًا بقيت شبه نفسي.
بعدها بيوم، وأنا ماشية في شارع قريب من بيتنا القديم، شفت أحمد بالصدفة.
كان واقف قدام محل.
لما شافني، اتفاجئ.
قرب.
مريم.
أهلًا.
قال
عاملة إيه؟
كويسة.
المشروع؟
نجح.
ابتسم بحزن.
كنت عارف إنك هتنجحي.
سكت.
ثم قال
أنا اتعلمت حاجات كتير بعد ما مشيتي.
بصيت له.
زي إيه؟
قال
إن الزوجة مش ملك لجوزها.
سكت.
وإن أمي مش من حقها تتحكم في حياتنا.
وسكت مرة تانية.
وإن السكوت على الظلم مش حياد.
كلامه كان صادق.
المرة دي، حسيت بده.
لكن الصدق ما بيغيرش الماضي.
قلت له
أتمنى تكون اتعلمت فعلًا.
قال
وأتمنى تكوني سعيدة.
ابتسمت.
أنا سعيدة.
ولأول مرة، ما كنتش محتاجة أضيف أي كلمة.
مشيت.
وما بصتش ورايا.
بعد فترة، اتبعت لي دعوة لحضور مؤتمر كبير عن المشاريع الهندسية القومية.
دخلت القاعة.
وعلى الشاشة الكبيرة كان اسمي مكتوبًا ضمن أعضاء الفريق الرئيسي للمشروع.
وقفت قدام مئات الأشخاص.
اتكلمت عن المشروع.
عن الفشل.
عن المحاولات.
عن الليالي الطويلة.
وعن أهمية إن الإنسان يفضل متمسك بهدفه

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *