دخلت لتفصل موظف فخرجت هى تكتشف سرا

فتح الباب ببطء. الرجل الذي ظهر لم يكن كارلوس الأنيق الذي كانت تراه كل صباح في المكتب. كان يحمل رضيعا بذراع واحدة ويرتدي قميصا قديما ومئزرا ملطخا شعره أشعث والهالات الداكنة محفورة في وجهه.

تجمد في مكانه عندما رآها. السيدة ميندوزا كان صوته خافتا مرتجفا من الخوف. جئت لأعرف لماذا كان مكتبي متسخا اليوم يا كارلوس قالت ببرودة قطعت الهواء.

حاولت لورا الدخول لكنه سد الطريق غريزيا. في تلك اللحظة اخترق صراخ طفل حاد أجواء التوتر. دون أن تطلب إذنا دفعت لورا الباب ودخلت. كان الداخل تفوح منه رائحة حساء الفاصولياء المختلطة برطوبة الجدران القديمة رائحة تشبه بيوتا عرفت التعب طويلا ولم تجد فرصة للراحة.

الهواء ثقيل وكأن أنفاس المكان نفسه متعبة. في أحد الأركان وعلى فراش واهن بالكاد يحتفظ بشكله كان طفل في السادسة من عمره تقريبا يرتجف تحت بطانية رقيقة لا تقيه برد المرض ولا قسوة الليل.

كان جسده صغيرا على الألم الذي يحمله وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة كأن كل شهيق معركة وكل زفير استسلام مؤقت. توقفت لورا في مكانها شعرت بأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها لكنها لم تدرك بعد السبب الحقيقي لذلك الاضطراب الذي بدأ يتسلل إلى أعماقها.

كانت عيناها تتجولان في المكان بعجلة تحاولان الإمساك بتفاصيل صغيرة بشيء مألوف بأي شيء يعيدها إلى إحساس السيطرة الذي اعتادته طوال حياتها.

لكن ما جعل قلبها ذلك القلب الذي طالما ظنت أنه مصنوع من حسابات دقيقة وجداول أرقام وقرارات باردة يتوقف فجأة لم يكن الطفل ولا الفقر ولا المرض بل ما رأته على طاولة الطعام الخشبية المهترئة.

هناك وسط كومة غير مرتبة من الكتب الطبية القديمة وأوراق ملاحظات كتبت على عجل وقوارير أدوية فارغة أعيد استخدامها أكثر من مرة كانت صورة مؤطرة تقف في صمت قاس.

صورة تعرفها جيدا تعرفها حد الألم. إنه دانيال. شقيقها. دمها. الاسم الذي لم يذكر في منزلها منذ سنوات دون أن يخنقهم الصمت.

كان دانيال في الصورة يبتسم ابتسامة خفيفة تلك الابتسامة التي كانت تراها دائما قبل أن يختفي خلف قناع التعب في أيامه الأخيرة. خمسة عشر عاما مرت منذ الحادث الذي قيل لهم إنه مأساوي حادث أغلق ملفه بسرعة ودفن معه كل ما لا يريد أحد مواجهته. وبجانب الصورة استقرت القلادة الذهبية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *