هى ليله واحده بس الى هقضيها معاها
“إنتي… بتكدبي…” قالها عاصف بصوت مبحوح متصدع، كأنه يتوسل أن يكون الأمر وهماً أو كابوساً سيفيق منه. رفعت نسيم يدها ومسحت دموعها بكبرياء مفاجئ، وتحول انكسارها إلى هدوء قاتل، وقالت: “أكدب في إيه؟ في الورق اللي أمي شايلاه في كيس قماش مهترئ ومختوم بختم جدك؟
ولا في المرض اللي بياكل في رئة أمي وما لقيتش حتى حق حقنة مسكنة غير لما جيت أشتغل هنا بشكلي المداري علشان محدش فيكم يعرفني ويطردني؟ ولا في الجوازة دي اللي كنت فاكر إنك بتذلني بيها؟
” اقتربت منه خطوة واحدة، فخطا هو خطوة للخلف كأنما يقف أمام شبح: “كنت مستعدة أتحمل الإهانة… كنت مستعدة أتحمل إنك تقول عني جربوعة ووحشة ورخيصة، علشان أرجع بيتنا اللي سرقوه مننا وأعالج أمي… بس ربنا أراد يفضحك قدام نفسك قبل ما تلمسني.
إنت فاكر إنك راجل كامل والكون بيلف حواليك، ومطلوب مني أخلفلك؟” كانت كلماتها تقطر سُمّاً مشروعاً في جراحه المفتوحة. التفتت نسيم والتقطت نقابها وأعادت ارتداءه ببطء، وثبات لم يعهده فيها من قبل. لم تعد تلك الخادمة التي تترجف وهي تحمل القهوة، بل غدت نداً حقيقياً يملك كل خيوط اللعبة.
في تلك اللحظة بالذات، طُرق الباب بقوة، ودخلت سلوى هانم دون انتظار، ترتسم على وجهها ابتسامة نصر صفراء، لكن ابتسامتها تجمدت فور رؤيتها للمشهد؛ عاصف جالس على حافة السر,,ـــــير مذهولاً شاحب الوجه كالأموات، ملابسه مبعثرة، ونسيم واقفة بكامل ملابسها ونقابها في زاوية الغرفة تنظر إليهما ببرود.
“في إيه يا عاصف؟” صاحت سلوى بقلق حقيقي وهي تقترب من ابنها، “مالك يا بني؟ وشك أصفر كدة ليه؟ هي البنت دي عملت حاجة؟” رفع عاصف رأسه ببطء، ونظر إلى أمه نظرة ملؤها الخذلان والضياع، وقال بصوت خافت: “انتي عارفة مين دي يا أمي؟
” ارتبكت سلوى، وزاغت نظراتها وهي تنظر لنسيم: “مين يعني؟ الخدامة اللي كتبنا كتابها عشان…” قاطعها عاصف بصرخة هزت أركان الجناح: “دي بنت عمي عمران! بنت الراجل اللي أبويا طرده ومات من القهرة! دي نسيم… اللي كتبتي كتابي عليها النهاردة رسمي قدام ربنا والناس كلها وبقت شريكتي في كل حاجة بجد مش بالكدب!
” شهقت سلوى وتراجعت نحو الباب وهي تضع يدها على قلبها، وخرجت الكلمات من فمها بصعوبة: “نسيم؟! إنتي؟! مستحيل… أنتوا مش كنتوا مشيتوا للصعيد؟” خرج صوت نسيم من وراء النقاب حاداً كالشفرة: “الصعيد ضاق بينا لما المرض حل، ورجعنا لبلدنا اللي لينا فيها نص الحق.