مين هيقبل واحده ارمله ج٢ انجي الخطيب
ركب ديفيد ورايا وشديت حزام الشنطة على صدره كأنه شايل روحه بين إيديه. لمست مفتاح التوك توك، وسميت باسم الله، ودست بنزين بكل ما فيا. الموتور صرخ، والتوك توك اندفع وسط الزحمة زي السهم. كان الطريق الرئيسي لكورنيش النيل في أسوان واقف تماماً؛ عربيات ملاكي على أتوبيسات سياحية على نقل، كله زامر ومتعطل بسبب حادثة مقفلة الشارع من أوله لآخره. مكنش فيه ثانية واحدة تضيع. كسرت الدركسيون ودخلت جوه شوارع ضيقة وحواري جانبية في منطقة “بركة الدماس” و”الشواربي”، أزقة ميعرفهاش غير ابن البلد اللي قَضى عمره بيلف فيها.
ديفيد كان ماسك في الحديد بتاع التوك توك بأيد، وبالأيد التانية حاضن الشنطة، وكل ما أعدي من فتحة ضيقة بين عربيتين أو أطلع على رصيف عشان أهرب من زحمة، كان بيغمض عينيه ويكتم نفسه من الخوف. كنت أصرخ فيه بصوت أعلى من صوت الموتور: “ما تخافش يا دكتور! بنتك هتعيش بإذن الله.. أنا حافظ الشوارع دي شبر شبر!”
الشمس كانت بدأت تميل للغروب، والعقارب بتجري بسرعة مرعبة. الأنبوب الزجاجي اللي جوه الشنطة كان زي القنبلة الموقوتة؛ كل دقيقة تتأخر بتنقص من فرصة نجاح العينة وفرصة حياة الطفلة. وأنا سايق، كنت حاسس إن مش مجرد زبون راكب معايا، كنت حاسس إن روح البنت الصغيرة محطوطة على كتفي، وإني لو أتمهلث ثانية واحدة هكون خنت الأمانة من جديد.
دخلت على طريق المطار الجبلي، الشارع هناك مفتوح بس طالع لفووق وفيه ملفات خطيرة. التوك توك بتاعي غلبان وموتوره على قد حاله، وبدأ يصدر أصوات تخبيط وريحة سخونة طالعة منه. حرارة الموتور رفعت، والسحب بدأ يضعف والطلعة جبلية صعبة! ديفيد لاحظ الصوت وبصلي بقلة حيلة والدموع اتجمعت في عينيه تاني، كأن الأمل بيضيع منه على آخر كيلو مترات.
قعدت أدعي بقلبي: “يا رب.. أنت عارف إن مش طمعان في حاجة، يا رب سترتك ونفاد الحيلة.. وصلنا بالسلامة عشان خاطر البنت الغلبانة دي.”
عصرت الموتور لأخر نقطة قوة فيه، والتوك توك بيترج وبيصارع المطلع، لحد ما أخيرًا ظهرت أنوار صالة المغادرة بمطار أسوان من بعيد. أول ما وصلت بوابات المطار، الأمن أوقفني لأن التوك توك ممنوع يدخل منطقة الصالات.
ديفيد بص على ساعته وللصالة، فاضل على قفل أبواب الطيارة بالضبط عشر دقايق! نزلت من التوك توك بسرعة، ومسكت ديفيد من إيده وجريت معاه وأنا بتكلم مع رجال الأمن بصوت عالي وبلهفة: “يا جماعة الراجل ده دكتور ومعاه علاج لطفلة بتموت وطيلرته هتطير.. عدوه لله!”
الضابط شاف حالة الدكتور والشنطة المفتوحة والحرص اللي فيه، فهم إن الموضوع مش طبيعي وسهّلها فوراً. ديفيد جرى ناحية سير التفتيش وصالة السفر وهو بيلتفت عليا كل خطوة، وعينيه مليانة دموع وامتنان ملوش حدود. قبل ما يدخل من الباب الأخير للصالة، وقف وبصلي بعيد، ورفع إيده بآمال وعملي علامة النصر وهو بيصرخ بلغة مصرية مكسرة وسط صالة المطار: “شكراً يا عم رمضان.. شكراً يا أطيب رجل!”
وقفت في صالة المطار وأنا باخد نفسي بالعافية، العرق نازل مني، والموتور بتاع التوك توك بره بيطلع دخان وسخن على الأخر، بس قلبي كان حاسس براحة عمري ما حسيتها في حياتي كلها. خرجت وقعدت على الرصيف جنب التوك توك، لا معايا الخمسة آلاف دولار، ولا الأثاث الجديد للبيت، ولا جهاز بنتي.. بس كنت حاسس إني أملك الدنيا كلها.
رجعت البيت متأخر، ومراتي كانت مستناني على أعصابها أول ما دخلت وبصت في إيدي ولقيتها فاضية، سألتني بلهفة: “عملت إيه يا رمضان؟ رجعت الشنطة؟”
قعدت على الكنبة واستريحت، وحكيت لها كل نقطة حصلت، من أول العينة والطفلة المريضة، لحد الجرية في الزحمة وطلعة المطار. مراتي سمعت القصّة والدموع نازلة من عينيها، وقامت بوست إيدي وقالتلي: “الله يرضى عليك يا رمضان.. الفلوس تروح وتيجي، بس دعوة أب لبنته وموقفك ده عند ربنا بالدنيا وما فيها.”
عدت أيام وأسابيع، ورجعت لحياتي العادية.. أصحى من الصبح ألف بالتوك توك عشان أجيب القوت اليومي، ونسيت الموضوع واعتبرته صفحة واتقفلت في كتاب حياتي.
لحد ما في يوم، بعد حوالي شهرين، وأنا واقف في نفس الموقف اللي قابلت فيه ديفيد أول مرة، لقيت عربية سوداء فخمة جداً وراها عربية ثانية واقفين قدامي.. نزل منها راجل بلبسة رسمية ومعاه مترجم، وقربوا من التوك توك بتاعي، وسألني المترجم بصوت واضح وسط الشارع: “حضرتك الكابتن رمضان سواق التوك توك؟”
بصيت للراجل اللي لابس بدلة وللمترجم اللي جنبه بنفس التوجس، وحطيت إيدي على دركسيون التوك توك وقلت بلعثمة: “أيوه يا فندم.. أنا عمك رمضان، خير فيه حاجة ولا إيه؟”
المترجم ابتسم ابتسامة هادية وقال وهو بيشاور على العربية الفخمة: “مفيش غير كل خير يا عم رمضان.. الأستاذ اللي معايا ده مستشار من السفارة الألمانية بالقاهرة، وجاي مخصوص أسوان عشان يدور عليك بناءً على طلب عاجل وشخصي من الدكتور ديفيد.”
أول ما سمعت اسم الدكتور ديفيد، قلبي دَق بسرعة وسألت بلهفة ونسيت العربية والسفارة وكل الزحمة اللي حولينا: “دكتور ديفيد! خير يا رب.. البنت إيما جرى لها إيه؟ العلاج جاب نتيجة؟ هي كويسة؟”
المترجم ضحك وقال: “اطمن يا عم رمضان، الدكتور ديفيد بيسلم عليك وبيرسلك أحرّ السلامات، وبيقولك إن المعجزة تحققت. العينة وصلت في الوقت المناسب بالظبط، والأطباء قدروا يستخلصوا الدواء، والطفلة إيما بفضل الله ثم بفضلك شُفيت تماماً وخرجت من المستشفى ورجعت لبيتها بتجري وتلعب!”
في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة هزت جسمي كله، وعيني اتملت دموع مش قادر أمنعها. نزلت من التوك توك وقفت على رجلي وأنا برفع إيدي للسما وبقول: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. ألف حمد وشكر ليك يا رب إنك جعلتني سبب في نجاة الروح دي.”
المستشار الألماني بصلي بنظرة إعجاب وتقدير شديد، ومد إيده سلم عليا وهو بيهز رأسه باحترام، وبعدين طلع من جيبه مظروف أبيض كبير ومقفل بالختم الرسمي، واداه للمترجم اللي قدمهولي.
استلمت المظروف وأنا مش فاهم حاجة، وسألت: “إيه ده يا حضرة المترجم؟”
المترجم فتح دفتر كان معاه وقال: “ده أولاً خطاب شكر رسمي ومكتوب بتوقيع وزير الصحة الألماني والدكتور ديفيد بيعبروا فيه عن امتنانهم لشجاعتك وأمانتك اللي أنقذت حياة طفلة. وثانياً.. دي الدعوة الرسمية وتذاكر الطيران وتأشيرة السفر لك ولمدام حضرتك عشان تسافروا ألمانيا الشهر الجاي لحضور حفل تكريم خاص بك في المستشفى الجامعي هناك، والدكتور ديفيد ومؤسسته يتكفلوا بكل مصاريف السفر والإقامة.”
أنا اتجمدت مكاني.. سفارة؟ وألمانيا؟ وتذاكر طيران؟ أنا الراجل اللي أقصى مشوار مشيته في حياتي كان من أسوان للأقصر بالقطار القشاش! بقيت أبص للمظروف ومش مستوعب الكلام.
المترجم كمل كلامه وقال: “مش بس كده يا عم رمضان.. الدكتور ديفيد عارف إنك رفضت تجازى على أمانتك ورفضت تاخد الفلوس في الشارع، لكنه قرر يترجم امتنانه ده بشكل مختلف تماماً. المؤسسة الخيرية الخاصة بعلاج سرطان الأطفال هناك، بالتنسيق مع منظمة إنسانية هنا في مصر، قررت تفتح فرع ومركز طبي مصغر لرعاية الأطفال وتوفير العلاج بالمجان في قلب أسوان هنا، والمركز ده هيكون باسمك، ‘مركز عم رمضان للرعاية الإنسانية’.”
الناس في الموقف والسواقين زمايلي اللي كانوا واقفين يتفرجوا من بعيد، أول ما سمعوا الكلام ده بدأوا يكبروا ويصقفوا والتلموا حولينا، وأنا واقف وسطهم الفرحة مش سيعاني، وفي نفس الوقت الذهول آكل عقلي. كنت حاسس إني بحلم حلم جميل ومش عايز أصحى منه.
المستشار أصر إنه يوصلني لحد باب بيتي بالعربية الفخمة عشان يسلم الأوراق والمظروف لمراتي ويشرح لها التفاصيل. لما وصلنا الحارة ونزلت من العربية ومعايا المترجم والمستشار، مراتي طلعت تلفون من الشباك مصدومة ومفزوعة، فاكرة إن حصلي حاجة أو إن التوك توك اتعمل بيه مصيبة.
أول ما دخلنا البيت وحكينا لها، وقفت مكانها مش ناطقة كلمة، وبصتلي والدموع نازلة على خدودها زي المطر، وقالتلي بصوت متقطع: “ألم أقل لك يا رمضان؟ الفلوس اللي بالحلال والدعوة الصادقة بتلف وتلف وترجع لأصحابها أضعاف.. ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً.”
المستشار أدانا فرصة أسبوع نجهز أوراقنا وبطاقاتنا الشخصية عشان يسافر معانا للقاهرة نخلص إجراءات التأشيرة. وفي خلال الأسبوع ده، الخبر انتشر في أسوان كلها، والناس في الشارع بقوا يوقفوني يسلموا عليا، وسواقين التوك توك صحابي بقوا فخورين بيا وبيقولوا لي: “رفعت رأسنا يا عم رمضان وخليت شغلانتنا لها قيمة عند الناس.”
بدأنا نجهز شنطنا البسيطة عشان نسافر القاهرة ومنها لألمانيا، وأنا كل ما أبص للتوك توك المركون قدام البيت، أبتسم وأفتكر الليلة الصعبة اللي عدت، وكيف إن الأمانة والصبر عليها جابلي رفعة ورزق وتكريم عمري ما كنت أحلم بيه في حياتي كلها.
وصلنا مطار القاهرة، وركبنا الطيارة ولأول مرة في حياتي أبعد عن الأرض وأشوف السحاب من شباك الطيارة، ومراتي ماسكة في إيدي وخايفة وأنا بطمنها وأنا نفسي قلبي بيلعب من الرهبة.
وبعد رحلة استمرت ساعات، هبطت الطيارة في مطار ميونخ بألمانيا.. نزلنا من المطار وبدأنا نتحرك في الصالة الكبيرة، ومكنتش عارف إيه اللي مستنينا بره الصالة ولا مين اللي هيكون في استقبالنا، ولا المفاجأة الضخمة اللي أعدهالي الدكتور ديفيد في قاعة التكريم اللي كانت هتقلب حياتي رأساً على عقب!
أول ما خطيت رجلِي جوه صالة الوصول في مطار ميونخ، كنت حاسس إن الأرض بتتهز تحتيا. ناس بملامح مختلفة، لغات مش فاهم منها كلمة، وحركة سريعة في كل مكان. مراتي كانت ماسكة في جلابيتي بجمود، وعينيها رايحة جاية في الصالة وخايفة. المترجم اللي كان مسافر معانا طمنا وقال: “متخافش يا عم رمضان، خطوات بسيطة وهنشوف الاستقبال.”
أول ما أبواب الصالة الإلكترونية اتفتحت وخرجنا لمنطقة الاستقبال.. اتفاجئت بجمع كبير من الناس واقفين، شالين يافطات مكتوب عليها بالعربي وبالألماني: “مرحباً بالبطل عم رمضان!”
وفجأة، وسط الزحمة دي كلها، لمحت راجل بيجري ناحيتنا وهو مبتسم ابتسامة عريضة، وجنبه ست شكلها لطيف، وماسكين في إيدهم بنت صغيرة زي القمر، شعرها أشقر ولابسة فستان أبيض جميل وجايين بيجروا ناحيتنا.