مين هيقبل واحده ارمله ج٢ انجي الخطيب
دكتور ديفيد!
وصل عندي ورمى نفسه في حضني، حضن دافي وجامد كأنه بيحضن أخوه اللي غايب عنه سنين. كان بيعيط ويقول بالمصري المكسر اللي تعلمه مخصوص عشان اللحظة دي: “شكراً.. شكراً يا عم رمضان.. يا صديقي العظيم!”
الست اللي معاه، مراته، جت وقفت قدام مراتي وحضنتها ببكاء وإيدها بترعش، وبقت تشكرها وهي مش فاهمة كلامها بس النبرة والدموع كانت كفيلة تفهم أي بني آدم.
أما المفاجأة الكبرى.. كانت الطفلة “إيما”. قربت مني بخطوات هادية، وبصت في وشي بعينيها البريئة، ومسكت إيدي الصغيرتين وحطت في إيدي ورقة رسمة فيها توك توك صغير ملون بالأصفر، وجنبه راجل بسيارات، وفوقيه قلب كبير، وقالت لي باللغة الإنجليزية وهي بتضحك: “Thank you, Uncle Ramadan!”
في اللحظة دي، أنا ومراتي ممسكناش نفسنا. البكاء غلبنا جميعاً في وسط المطار. مسكت البنت الصغيرة شلتها ودعيت لها من كل قلبي: “ربنا يحفظك يا بنتي ويخليكي لأبوكي وأمك.. الحمد لله إن ربنا جعلني سبب في البسمة دي.”
صحفيين مصورين كتير كانوا واقفين بيلتقطوا صور للحظة دي، وأنا واقف بجلابيتي الصعيدي البسيطة وسط الناس والأضواء، مش مصدق إن ده أنا، سواق التوك توك الغلبان اللي كان بيحسب القرش بالقرش عشان مصاريف بيته.
اخدونا في عربيات فخمة جداً ونزلونا في فندق كبير، وأدونا فرصة نرتاح ونغير هدومنا عشان اليوم التاني كان هو الموعد الموعود.. يوم التكريم الكبير في القاعة الرئيسية بالمستشفى الجامعي.
تاني يوم الصبح، دخلنا قاعة ضخمة جداً مليانة دكاترة وأطباء ومسؤولين وكبار الشخصيات والإعلاميين. قعدوني أنا ومراتي في الصف الأول بجانب الدكتور ديفيد وعائلته. الحفل بدأ بكلمات من رئيس الجامعة ومدير المستشفى، وكانوا بيتكلموا عن الأبحاث والعلاج التجريبي، ولما جه دور الدكتور ديفيد عشان يطلع على المسرح يلقي كلمته، القاعة كلها سكتت.
ديفيد طلع على المنصة، وبص للجمهور وشد المايك، وقدم عرض صور على الشاشة الكبيرة.. أول صورة نزلت على الشاشة مكنتش صورة المعمل ولا العلاج.. كانت صورة التوك توك بتاعي وهو مركون في شوارع أسوان!
ديفيد اتكلم بصوت هز القاعة كلها، والمترجم كان بيهمس في ودني بكل كلمة بيقولها:
“كل العلم والأبحاث اللي عملناها، والبروتوكولات الطبية، والسنوات اللي قضينها في المعامل.. كانت ممكن تنتهي في ثانية واحدة وتتحول لصفر.. لولا أمانة وشجاعة هذا الرجل البسيط. هذا الرجل لم ينقذ طفلتي إيما فقط، بل أنقذ الأمل لكل أطفال العالم الذين سيستفيدون من هذا العلاج مستقبلاً. إنه أثبت لنا أن الإنسانية والنبل لا يحتاجان إلى شهادات جامعية، بل إلى قلب نقي.”
القاعة كلها وقفت على رجلها! مئات من العلماء والأطباء والمسؤولين فضلو يصقفوا بحرارة شديدة لدقائق طويلة وهما باصين عليا. ديفيد ناداني عشان أطلع جنبه على المسرح.
طلعت بخطوات ثقيلة، قلبي بيلعب وجسمي كله بيترعش. سلم عليا وأداني درع ذهبي كبير مكتوب عليه اسمي بكلمات من التقدير.
لكن قبل ما أنزل من على المسرح، ديفيد مسك المايك تاني وقال: “لكن التكريم ده مش كل حاجة.. رمضان رفض يتقاضى أي أجر أو مكافأة مالية في مصر، وأصر إن أمانته مالهاش ثمن.. وعشان كده، إحنا كرؤساء مجلس إدارة المؤسسة، قررنا نرد له الجميل بطريقة تليق بأمانته وتضمن له ولأسرته حياة كريمة طول العمر.”
ديفيد طلع وثيقة قانونية كبيرة ومقننة، وبصلي وبدأ يشرح المفاجأة المذهلة اللي أعدوهالي، وهي المفاجأة اللي خلاني أقف مشدوه على المسرح مش قادر أنطق بكلمة واحدة من صدمتها!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”