ابلكيشن الكمبوند ج٢
منى السيد
لمحة نيوز
جه الوقت إنه يعرف إن الدنيا مش ماشية تحت رجليكم بس. اسمعوني بقى كويس، عشان أنا لا غاوية محاكم ولا فاضية لأشكالكم، ووقتي أغلى بكتير من إني أضيعه على ناس قلّوا بأصلي.
نورهان وقفت، نفضت فستانها ببرود، وبدأت تعد شروطها على صوابعها وهي باصة لتيسير مباشرة في عينيها
أولاً الشقة دي، هتدخل دلوقتي حالا على البنك، تطلعي شيك مقبول الدفع باسمي بالقيمة السوقية لنصيبي الشرعي اللي في الورقة دي، تلاتة مليون جنيه كاش، متخصومش منهم مليم واحد، ومتقوليش ممعاييش.. إنتِ لسه بايغة أرض في المنصورة والشهر العقاري شاهد وفلوسها راقدة في حسابك في البنك الأهلي فرع التجمع.
تيسير حطت إيدها على بؤها ودموع القهر بدأت تلمع في عينيها، مكنتش قادرة تنطق.
ثانياً نورهان كملت وهي بتبص لطارق اللي كان منهار دهبي كله اللي في الخزنة هنا هاخده كامل بالجرام، مع قايمتي اللي إنت ماضي عليها بمليون ونص.. هتديني حقي فيها شيك برضه، أو عفشي وعزالي كله ينزل من الشقة دي قبل ما الشمس تغرب النهاردة.
طارق صوته اتقطع وهو بيترجى ونحن يا نورهان؟! وجوازنا؟! والشهور اللي عشناها سوا؟! ده إحنا لسه بنبدأ حياتنا!
نورهان بصت له نظرة سخرية مريرة حياتنا إيه يا طارق؟ إنت مفكر اللي بينا ده كان جواز؟ الجواز ده ستر وراجل، ضهر يقف قدام الدنيا عشان ميخليش كلمة تهز شعرة من راس مراته.. إنت مش راجل يا طارق، إنت عيل في توب موظف بنك، ماشي بريموت كنترول في إيد أمك.. يوم ما قالت لك امسحها مسحتني، ويوم ما قالت لك ارميها رميتني، ويوم ما شفت الورقة اترعبت على الفلوس مش عليا! الجوازة دي ماتت من اللحظة اللي هزيت فيها كتافك يوم السبت وقلت لي أمي بتأمن شقتها.
نورهان سكتت لحظة، وبصت لحلة الرز المحروقة اللي على البار، وبصت للمطبخ المعفن، والقميص اللبني المصبوغ اللي كان طارق لسه ر crowsيه على مسند الكرسي.
تالت شرط، وده مش قابل للنقاش نورهان رفعت راسها لفوق بشموخ وعزة نفس حقيقية دلوقتي حالا، المأذون هيكون هنا.. تطلقني برضاك، وبكل هدوء ومن غير دوشة، وورقة طلاقي تبقى في إيدي مع الشيكات قبل ما أخطو خطوة واحدة برة باب الشقة دي. لو وافقتوا.. ورقة الأمانة دي هتتقطع قدامكم، وتعيشوا في شقتكم دي تاكلوا في بعض براحتكم، وتفضلوا معفنين في المطبخ المسدود ده لحد ما تشبعوا.. لو رفضتوا، والقرشين اللي في البنك عزوا عليكم أكتر من الستر والفضايح، وحياة تراب أبويا ما هيطلع فجر بكرة إلا والحاجة تيسير معروضة على النيابة، وهخلي سيرتكم على كل لسان في العمارة دي وفي البنك اللي إنت شغال فيه يا طارق.
تيسير وقعت على أقرب كرسي، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها بتدور في الشقة كأنها بتدور على مخرج ومش لاقية. بصت لطارق ولقته باصص في الأرض، دموعه نازلة على خده بقلة حيلة وخزي، عاجز تماماً عن إنه يعمل أي تصرف. في اللحظة دي تيسير فهمت إن كل التخطيط والغدر اللي دبرته عشان تضمن إن الشقة متخرجش براها وإنها تفضل كاسرة عين مرات ابنها، اتقلب فوق دماغها هي. كانت فاكرة نفسها بتلعب مع عيلة هبلة سهلة، مكنتش تعرف إنها بتلعب مع نار هتحرق لها شقا سنينها.
هاتي الورقة يا نورهان.. تيسير قالتها بصوت مكسور، من غير غل، بس بذل حقيقي هاتي الورقة.. وطارق هيطلقك، والفلوس هتكون عندك.
نورهان ابتسمت، بس ابتسامتها المرادي كانت صافية، رايقة، مفيهاش أي غيظ.
الورقة مش هتتحرك من إيدي إلا لما الشيكات تتصرف وتتأكد في البنك.. إنتوا مبقاش ليكم أمان عندي حتى في النفس اللي بتتنفسوه.
خلال تلات ساعات، كانت القيامة قايمة في صمت تام.
تيسير نزلت البنك بنفسها، سحبت الشيك المصرفي المعتمد المقبول الدفع، ورجعت بيه ووشها في الأرض، وطارق كان جاب المأذون وقاعدين في الصالون المكركب، بين الكوبايات الوسخة وريحة المطبخ العفنة، يوقعوا على قسيمة الطلاق.
طارق وهو بيمضي، كان إيده بتترعش، وبص لنورهان بعيون مدمعة وقال ضيعتي كل حاجة يا نورهان عشان كبرياء فارغ؟
نورهان بصت له وهي بتمضي بكل ثبات وبخط عريض وواضح الكبرياء عمره ما كان فارغ يا ابن تيسير.. الكبرياء هو الحاجة الوحيدة اللي بتخلي الواحد ينام بليل وهو رافع راسه.. إنتوا اللي ضيعتوا كل حاجة يوم ما فكرتوا إن كرامة الناس رخيصة وإنكم تقدروا تدوسوا عليها وتعدوا بسلام.
المأذون خلص، ونورهان مسكت ورقة الطلاق وحطتها جوه شنطتها جنب الشيك اللي بتلاتة مليون، ومسكت إقرار الأمانة، وبكل هدوء، قطعته نصين، وبعدين أربعة، ورمت الورق المتقطع فوق حلة الرز المحروقة اللي في المطبخ.
الشقة نضفت من وجودي خلاص.. مبروك عليكم الحيطان قالتها نورهان وهي بتلبس نضارتها الشمس الشيك.
خرجت من باب الشقة، ونزلت بخطوات واثقة، مسموعة في مدخل العمارة. كان في عربية نقل عفش تحت بعتوها أعمامها عشان يحملوا كل حاجة تخصها من الشقة حسب القايمة.
وقفت نورهان في مدخل الكومباوند، فردت ضهرها، وأخدت نفس عميق من هوا التجمع النضيف. الهوا اللي حست إنه لأول مرة من شهور بيدخل ريتها بجد ومفيهوش خنقة ولا ذل.
فتحت الأبلكيشن بتاع الكومباوند من موبايلها للمرة الأخيرة.
شافت الإشعار القديم تم إلغاء تسجيلك كمقيمة دائمة.
ضحكت من قلبها، ضغطت على الأبلكيشن بصباعها وعملت Delete ومسحته خالص من على جهازها.
ركبت عربيتها، دورت الموتور، وشغلت أغنية رايقة، وسابت وراها البيت، والكومباوند، والراجل اللي كان فاكر إن كسر الخواطر ملوش تمن.. ومشيت وهي عارفة إنها النهاردة مش بس استردت فلوس أبوها، دي استردت نفسها وكرامتها، وده كان المكسب الأكبر اللي مفيش ملايين في الدنيا تقدر تعوضه.
النهاية