روحت اتبرع بكليتي
نظر عمر إلى أحمد مباشرة، ثم أمسك بيدي.
أحمد.
فسر لي.
ليه أختي لازم تتبرع بكليتها لمراتك التانية؟
ساد الصمت.
صمت ثقيل لدرجة أنني، رغم أن جسدي كان لا يزال تحت تأثير المخدر، شعرت به يخنق الغرفة كلها.
اتسعت عينا أحمد.
ولثانية واحدة، بدا وكأنه لم يفهم ما قاله عمر.
ثم تراجع خطوة إلى الخلف.
إنت بتقول إيه؟
رفع عمر جهاز الكمبيوتر اللوحي أمام وجهه.
أنا بسألك سؤال واضح.
مين نور؟
لم يجب أحمد.
وليه بياناتها موجودة هنا كمتلقية للكلية؟
ظل أحمد واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق.
ثم قال بصوت مرتجف
نور… أختي.
ضحك عمر ضحكة قصيرة خالية تمامًا من المرح.
أختك؟
فتح ملفًا آخر.
منة أختك عندها أربعة وعشرين سنة، وفصيلة دمها مختلفة عن فصيلة الدم الموجودة في ملف المتلقية.
ثم أدار الشاشة نحوه.
أما نور، فعمرها ثمانية وعشرون عامًا، وبياناتها متطابقة مع المتلقية الموجودة في الغرفة المجاورة.
اقترب عمر منه خطوة.
وأنت كنت عارف ده من البداية.
تغير وجه أحمد.
أما أنا، فكنت مستلقية فوق طاولة العمليات، لا أستطيع الحركة، لكن عقلي كان يعمل بأقصى سرعة.
نور.
إذن لم تكن منة.
لم تكن أخته.
كانت امرأة أخرى.
لكن لماذا؟
ولماذا فعل أحمد كل ذلك؟
أشار عمر إلى أحد أفراد الأمن.
هاتوا بطاقة هوية المتلقية.
بعد دقائق قليلة، دخلت ممرضة تحمل ملفًا.
فتحته أمام عمر.
قرأ البيانات بصوت مرتفع
نور محمود عبد الرحمن.
ثم رفع عينيه نحو أحمد.
مين دي؟
لم يرد.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
كانت مكالمة من المستشفى.
لكنه لم يجب.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم مرة ثالثة.
وفي النهاية، فتح الخط.
جاءه صوت امرأة مذعورة
أحمد، إيه اللي حصل؟ ليه العملية وقفت؟
تجمد الجميع.
أغلق أحمد الهاتف فورًا.
لكن الوقت كان قد فات.
عمر سمع الصوت.
وأنا سمعته.
كان الصوت الذي سمعته قبل أشهر، في إحدى الليالي، عندما رن هاتف أحمد بعد منتصف الليل.
الصوت نفسه.
قال عمر بهدوء مخيف
هي دي نور؟
لم يجب أحمد.
فقال عمر
خليها تدخل.
رفع أحمد رأسه بسرعة.
لأ.
قلت خليها تدخل.
عمر، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
ابتسم عمر ببرود.
أنا لسه ما فكرتش في حاجة.
ثم أشار إلى الأمن.
دخلوها.
بعد عشر دقائق، فُتح باب الغرفة.
دخلت امرأة شاحبة الوجه، ترتدي ملابس المستشفى.
كانت نحيفة، وشعرها مربوط خلف رأسها.
وما إن رأت أحمد حتى أسرعت نحوه.
أحمد!
ثم توقفت.
رأت عمر.
ثم رأتني.
تغير وجهها بالكامل.
هي…
لم تكمل.
اقترب عمر منها.
إنتِ نور؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه.
علاقتك بأحمد إيه؟
نظرت إلى أحمد.
كان وجهه قد فقد كل ألوانه.
قالت بصوت منخفض
هو جوزي.
تجمدت الغرفة.
حتى صوت أجهزة المراقبة بدا وكأنه اختفى.
شعرت بأن شيئًا باردًا مر في عروقي.
جوزي؟
زوجها؟
لم أستطع تحريك جسدي.
لكن دموعي بدأت تنزل وحدها.
نظر عمر إليها طويلًا.
ثم قال
إنتِ متجوزاه إمتى؟
خفضت عينيها.
من سنتين.
سنتين.
ترددت الكلمة في رأسي كأنها صدى لا ينتهي.
سنتان.
أي أنه خلال السنتين الماضيتين، كان أحمد يعود إلى البيت، ينام بجواري، يتناول الطعام الذي أعده، ويتحدث معي عن العمل، بينما كان في مكان آخر يعيش حياة كاملة مع امرأة أخرى.
قال عمر
عندك عقد زواج؟
أومأت.
أيوه.
فينه؟
في البيت.
نظر عمر إلى أحمد.
عايز تشوفني العقد؟
لم يرد أحمد.
قال عمر
هاتوه.
أخرجت نور هاتفها، وفتحت صورة للعقد.
ثم أرسلتها إلى هاتف عمر.
قرأ البيانات.
كان الاسم واضحًا.
أحمد سليم.
نور محمود.
تاريخ الزواج قبل عامين وثلاثة أشهر.
شعرت أنني أريد أن أضحك.
لكنني لم أستطع.
ست سنوات.
ست سنوات كاملة كنت أظن أنني زوجته الوحيدة.
والآن اكتشفت أن هناك امرأة أخرى تحمل اسمه منذ أكثر من عامين.
لكن الأمر لم يتوقف هنا.
قال عمر
إنتِ عارفة إنه متزوج؟
رفعت نور عينيها نحوه.
قال لي إنه منفصل عن زوجته.
توقفت.
ثم أضافت
قال لي إن علاقتكم انتهت من زمان، وإنكم عايشين مع بعض بسبب ظروف العائلة.
أغمضت عيني.
حتى هذه الكذبة كانت جاهزة.
كان قد بنى لكل شخص رواية مختلفة.
قال لنور إنني مجرد زوجة على الورق.
وقال لي إن نور عميلة.
وقال لعائلته إنني لا أستطيع الإنجاب.
ثم استخدم مرض نور حتى يجعلني أتبرع لها بعضوي.
كل شيء كان محسوبًا.
إلا شيء واحد.
أن يكون الطبيب المسؤول عن العملية هو أخي.
بدأ المخدر ينسحب من جسدي تدريجيًا.
سمعت عمر يقول
سلمى، خليكي معايا.
حاولت تحريك أصابعي.
نجحت بصعوبة.
أمسك عمر يدي.
أنا هنا.
ثم التفت إلى الطبيب.
ممكن تفوق بالكامل؟
بعد فترة قصيرة، بدأت أستعيد قدرتي على الكلام.
كان حلقي جافًا.
قلت بصوت ضعيف
عمر…
انحنى نحوي.
أيوه.
أنا… عايزة أعرف كل حاجة.
نظر إلى أحمد.
هتعرفي.
ثم أضاف
بس الأول، لازم نخرجك من هنا.
بعد ساعات، كنت في غرفة خاصة بالمستشفى.
لم أعد على طاولة العمليات.
لم يتم أخذ كليتي.
وهذا وحده كان كافيًا لأتنفس للمرة الأولى منذ وقت طويل.
كان عمر يجلس بجواري.
وأحمد لم يعد موجودًا.
الأمن منعه من الاقتراب مني، بينما بدأت إدارة المستشفى في التحقيق في كل ما حدث.
وضعت يدي على بطني.
كل شيء كان ما زال يؤلمني من آثار التخدير.
لكن الألم الجسدي لم يكن شيئًا أمام ما كان يدور داخل رأسي.
قلت
عمر.
نعم؟
إزاي وصلوا لدرجة إنهم يدخلوني غرفة العمليات من غير ما أعرف اسم المتلقي الحقيقي؟
تنهد.
لأنهم أخفوا عنك البيانات.
بس أنا وقعت.
وقعتِ على موافقة التبرع، لكن ده مش معناه إن أي حد يقدر يستخدم عضو منك لأي شخص.
ثم فتح ملفًا.
وفي نقطة أخطر.
نظرت إليه.
إيه؟
قال
التحقيق الأولي بيشير إن أحمد كان بيحاول يستغل موافقتك، وإن فيه أوراق اتقدمت للمستشفى على إنها مرتبطة بحالة منة.
شعرت بالغضب يشتعل داخلي.
منة كانت تعرف؟
هز رأسه.
لحد دلوقتي مش واضح.
عايزة أعرف.
قال
هتعرفي.
في اليوم التالي، جاءت منة إلى المستشفى.
كانت تبكي بشدة.
ما إن دخلت الغرفة حتى وقفت عند الباب.
نظرت إليّ.
ثم قالت
أنا آسفة.
لم أجب.
اقتربت ببطء.
والله ما كنت أعرف.
نظرت إليها.
إنتِ كنتِ عارفة إن أخوكي متزوج نور؟
هزت رأسها بسرعة.
لا.
وعارفة إنه كان جايبني هنا علشان أتبرع لها؟
بكت.
لا.
جلست على الكرسي.
أحمد قال لي إن حالتي الصحية ساءت وإنك الوحيدة اللي ممكن تتبرعي لي.
سكتت قليلًا.
أنا صدقته.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لو كنتِ عارفة، كنتِ هتوافقي؟
أجهشت بالبكاء.
لا.
لم أقل