مقفلش المكالمه
حكايات ليلى
اللي يطمنني قبل ما يتأخر.
لو عنده اجتماع، يقول لي.
لو هيقابل حد من الشغل، يقول لي.
مش لأنه تحت مراقبة.
لكن لأنه فهم إن الشفافية مش سجن.
وإن الشخص اللي بتحبه مش المفروض يفضل يخمن إنت فين وإيه اللي بتعمله.
أما أنا، فتعلمت حاجة تانية.
إن التسامح مش معناه إنك تمسح اللي حصل.
وإن وضع حدود مش معناه إنك قاسي.
وإن الإنسان ممكن يحب حد جدًا، وفي نفس الوقت يقول له
اللي حصل وجعني، ومش هسمح يتكرر.
وبعد سنتين من الليلة دي، كنا قاعدين على السفرة.
ليان بقت بتتكلم وتضحك.
وكان محمد بيحكي لها عن أول يوم شافها فيه.
قال
أول ما شوفتك، كنتِ صغيرة أوي.
ليان قالت
وأنا كنت شبه مين؟
محمد بصلي.
وقال
شبه مامتك.
ضحكت.
ليان قالت
بابا، إنت بتحب ماما؟
محمد بص لي.
وبعدين قال
آه.
ليان قالت
قد إيه؟
محمد فكر شوية.
وقال
قد ما الواحد يقدر يتعلم ويصلح ويبدأ من جديد.
مافهمتش هي قصده.
لكن أنا فهمت.
وبعد العشا، لما ليان دخلت تنام، محمد حط قدامي كوب شاي.
قلت
شكرًا.
قال
على فكرة، أنا لسه فاكر يوم عيد جوازنا.
قلت
وأنا كمان.
أكتر يوم كنت خايف فيه في حياتي.
ابتسمت.
وأنا أكتر يوم عرفت فيه نفسي.
سكتنا.
وبعدين قال
لو رجع بيك الزمن، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
بصيت له.
قلت
كنت هسمع المكالمة.
اتوتر.
ضحكت.
وكنت هواجهك.
سكت.
لكن كنت هسيب لنفسي وقت قبل ما أخد أي قرار.
قال
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هتكلم معاكي قبل ما أدخل أي شخص أو أي فكرة بينا.
بصيت له.
يمكن لو عملنا كده من الأول، كنا وفرنا على نفسنا حاجات كتير.
قال
يمكن.
وبعدها سكتنا.
مش كل القصص بتنتهي بأن الناس ترجع لبعض.
ومش كل البيوت تستحق فرصة تانية.
لكن قصتنا انتهت بحاجة أهم من مجرد إننا فضلنا مع بعض.
انتهت إننا فهمنا إن البيت اللي عايز يعيش لازم يتبني كل يوم.
وإن الثقة مش كلمة.
وإن الاعتذار الحقيقي مش جملة أنا آسف.
الاعتذار الحقيقي إن تصرفاتك بعدها تبقى مختلفة.
أما أنا…
فما بقيتش الست اللي قعدت ست أيام وهي بتبكي في السر.
بقيت أعرف قيمتي.
وأعرف إن أي علاقة مهما كانت غالية، لازم يكون فيها احترام.
وأعرف إن الأم اللي عندها طفل صغير مش لازم تنسى نفسها.
وأعرف إن السكوت أحيانًا بيحمي لحظة، لكن الكلام الصريح ممكن ينقذ عمر كامل.
وفي آخر ليلة من السنة، كنت واقفة في البلكونة.
محمد وقف جنبي.
ليان كانت نايمة.
والبيت كله هادي.
قال
سنة جديدة.
قلت
إن شاء الله تكون أهدى.
قال
وأحسن.
بصيت له.
الأحسن مش بييجي لوحده.
ابتسم.
نعمله إحنا.
وبصيت للسماء.
وحمدت ربنا على بنتي.
وعلى إني في أصعب لحظة في حياتي، ماخدتش قرار وأنا مكسورة.
لأني في النهاية اكتشفت إن المفاجأة اللي كنت مجهزاها لمحمد في عيد جوازنا…
ماكانتشي هي اللي غيرت حياته.
هي غيرت حياتي أنا.
لأني في الليلة دي عرفت إن كرامتي مش معناها إني أهدم كل شيء.
ومش معناها برضه إني أقبل أي شيء.
كرامتي كانت إني أعرف الحقيقة.
وأختار وأنا واعية.
وأحط حدود.
وأدي فرصة لما أشوف تغيير حقيقي.
وأمشي لو رجع الوجع تاني.
لكن الحمد لله…
ما رجعش.
وبعد سنوات، لما كانت ليان كبرت وسألتني مرة
ماما، إيه أكتر حاجة خلتك تكملي مع بابا؟
بصيت لمحمد.
وبعدين بصيت لها.
وقلت
مش عشان وعدني إنه مش هيغلط تاني.
أمال ليه؟
ابتسمت.
عشان كل يوم بعد الغلط، اختار يصلح بدل ما يهرب.
وبصيت لمحمد.
وإحنا الاتنين اتعلمنا إن العيلة مش معناها إن مفيش مشاكل.
سكتُّ لحظة.
معناها إن لما تحصل مشكلة، نتعامل معاها بصدق واحترام.
ليان ابتسمت.
وقالت
يعني أنتم بتحبوا بعض؟
ضحك محمد.
وقلت
آه.
وبعدين بصيت لبنتي.
بس الحب لوحده مش كفاية يا ليان.
أمال إيه اللي كفاية؟
حضنتها.
وقلت
الصدق.
محمد قرب وحط إيده على كتفها.
وفي اللحظة دي، عرفت إن أصعب مكالمة في حياتي…
كانت في النهاية السبب اللي خلاني أسمع صوتي أنا.
وأعرف قيمتي.
وأفهم إن الإنسان ممكن يقع.
لكن الفرق الحقيقي…
هو مين بيقوم.
ومين بيقرر يصلح.
ومين يتعلم.
ومين يختار كل يوم إنه ما يكرر نفس الخطأ.
وقبل ما أدخل أوضتي، بصيت للموبايل اللي كان على الترابيزة.
نفس الجهاز.
نفس المكان.
لكن المرة دي، ماكانش فيه خوف.
لأن أسرار البيت انتهت.
واللي فضل بينا…
كان واضح.
وصريح.
وهادئ.
ومن يومها، كل ما أفتكر اللي حصل، ما بقيتش أفتكر الست اللي كانت على الناحية التانية من المكالمة.
ولا الكلام اللي اتقال.
ولا حتى اللحظة اللي حسيت فيها إن الدنيا وقفت.
بقيت أفتكر حاجة واحدة بس.
إن في أصعب لحظة…
ربنا رزقني بالقوة إني ما أضيعش نفسي.
وإن اللي اتكسر ما اتصلحش بكلمة.
اتصلح بأيام طويلة من الصراحة.
وبأفعال.
وبحدود.
وبمسؤولية.
وباختيار يومي إننا نعيش صح.
أما عيد جوازنا اللي كنت فاكرة إنه هيكون يوم انهيار بيتنا…
فبقى بعد سنين يوم نفتكره كلنا.
مش لأنه كان أسعد يوم.
لكن لأنه كان اليوم اللي الحقيقة ظهرت فيه.
واليوم اللي فهمنا فيه إن أي بيت مهما كان شكله من بره جميل…
لو مفيهوش صدق من جوه، ممكن ينهار في لحظة.
والحمد لله…
بيتنا ما انتهيش.
اتغير.
واتبنى من جديد.
المرة دي…
على أساس أقوى.
الصدق.
الاحترام.
وإن محدش فينا ياخد وجود التاني كأنه شيء مضمون.
وفي آخر الليل، قبل ما أنام، سمعت محمد بيقول من الصالة
تصبحي على خير.
ابتسمت وقلت
وإنت من أهله.
وبعدها سمعت ضحكة ليان من أوضتها.
ابتسمت.
وقلت بيني وبين نفسي
يمكن دي كانت المفاجأة الحقيقية…
مش اللي أنا حضرتها له في عيد جوازنا…
لكن الحياة الجديدة اللي بدأت بعد ما ظهرت الحقيقة.
ومن يومها…
ماعدتش بخاف من الحقيقة.
لأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة…
أرحم بكتير من إنك تعيش عمرك كله في وهم.